من الفتوى إلى الوعي: كيف أسهم العلماء السلفيون في تشكيل موقف الأمة من فلسطين؟
د. محمود عبد الرحمن الشحات
ليست قيمة الفتوى في قضية فلسطين أنها تجيب عن سؤال عابر فحسب، بل في قدرتها على بناء الميزان الذي تفهم به القضية. ومن هنا كان أثر العلماء السلفيين أوسع من مجرد إصدار الأحكام؛ فقد أسهموا في تثبيت هوية فلسطين الإسلامية، وبيان واجب نصرة أهلها، وربط التحرير بالإيمان والإعداد، وحماية القضية من أن تختطفها القومية أو الحزبية أو الحسابات السياسية.
وأول ما رسخه هذا الخطاب أن فلسطين قضية إسلامية، لا نزاعًا قوميا محضًا. وقد عبر الشيخ عبد العزيز بن باز عن ذلك بعبارة شديدة الوضوح فقال: «القضية الفلسطينية قضية إسلامية أولًا وأخيرًا»، ثم نبه إلى جهود تحويلها إلى قضية عربية لا شأن لغير العرب بها. وهذا ليس مجرد توصيف سياسي، بل تصحيح لبوصلة الأمة: فالأقصى الذي قال الله فيه: ﴿الذي باركنا حوله﴾ لا تحصره قومية ولا حدود.
وثاني ما صنعته الفتوى هو تحويل التعاطف إلى مسؤولية. فالشيخ ابن باز، حين سئل عن الفلسطينيين، قرر أنهم مظلومون، وأن الواجب على المسلمين نصرتهم على من ظلمهم، مستدلًا بالنصوص الشرعية في نصرة المظلوم. ولم يبق ذلك في دائرة التنظير؛ فقد أصدر أيضًا نداءً خاصًا لمساعدة الفلسطينيين، حاثا على النصرة بالمال وغيره من وجوه الإعانة المشروعة.
ثم جاء الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ليؤكد بعدًا آخر بالغ الأهمية: أن التحرير يحتاج إلى أمة مؤهلة للتحرير. فلما سئل عن السبيل إلى محاربة الاحتلال وإخراجه من فلسطين، لخص منهجه في «التصفية والتربية»، وفسره بالعناية بالعلم الصحيح والعمل بمقتضاه. وفي موضع آخر قرر أن احتلال بلاد المسلمين يرتب واجبًا على الأمة في دفع المحتل بحسب أحكام الشريعة والاستطاعة.
وهنا تظهر المسافة بين فتوى العالم وشعار الجماهير. فالشعار يسأل: متى نقاتل؟ أما العالم فيضيف: بأي عقيدة؟ وبأي إعداد؟ وتحت أي ضوابط؟ وما القدرة؟ وما المصلحة؟ وما مآلات القرار؟ وهكذا تنتقل فلسطين من موجة غضب مؤقتة إلى مشروع وعي طويل النفس.
أما الشيخ محمد بن صالح العثيمين فقد ركز على أصل قريب من ذلك: أن النصر لا ينفصل عن إصلاح الأمة لنفسها. ففي تفسيره لسورة النور قرر أن استعادة الأرض مرتبطة برجوع المسلمين إلى الإيمان والعمل الصالح، وربط القوة المعنوية بقوة الدين، ثم بالقوة المادية اللازمة. وفي تفسير قصة طالوت وجالوت انتقد تحويل المعركة إلى عصبية قومية مجردة، وضرب بتحرير صلاح الدين لفلسطين مثالًا على مركزية العقيدة في صناعة النصر. (ابن عثيمين)
ولم يكن هذا التأصيل دعوةً إلى الانسحاب من القضية، بل كان رفضًا لأن تتحول فلسطين إلى شعار يبرر كل قرار. ومن أدق الأمثلة أن ابن عثيمين، عند مناقشته عمليةً نفذها أحد عناصر حماس، لم يكتف بحرارة المشهد أو عدالة أصل القضية، بل ناقش النتائج والمآلات، وما قد يترتب من انتقام يقتل أعدادًا أكبر من الفلسطينيين. وهذا يكشف وظيفة العالم الحقيقية: ألا يكتفي بالسؤال عن النية والغاية، بل يزن الوسيلة والنتيجة أيضًا.
وهكذا أسهمت فتاوى هؤلاء العلماء في صناعة ثلاثة مستويات من الوعي: وعي بالهوية؛ ففلسطين قضية إسلامية، ووعي بالواجب؛ فالمظلوم ينصر ولا يترك، ووعي بالطريق؛ فالنصر لا تصنعه الحماسة وحدها، وإنما يحتاج إلى إيمان وعلم ووحدة وإعداد وبصيرة بالمآلات.
وهذه هي القيمة الكبرى للفتوى السلفية في قضية فلسطين: أنها لم ترد للمسلم أن يكون متفرجًا باردًا، ولا متحمسًا بلا بصيرة، بل ناصرًا واعيًا؛ يعرف حق المظلوم، ويعرف خطر المحتل، ويعرف في الوقت نفسه أن عدالة القضية لا تعني عصمة كل راية، ولا صحة كل وسيلة، ولا حكمة كل قرار.
فأخطر ما يمكن أن يحتل بعد الأرض هو العقل الذي يفهم الأرض.
ولهذا لم يقل العلماء للأمة فقط: ما موقفكم من فلسطين؟
بل علموها السؤال الأعمق:
كيف تفهمون فلسطين؟ وكيف تنصرونها دون أن تفقدوا في الطريق ميزان الوحي؟
