كيف حمت السلفية القضية الفلسطينية من الذوبان في المشاريع العالمية؟

قراءة في مواجهة العلمانية والقومية واليسارية والتشيع

د. عبد القادر بن عطية التلمساني

لم تكن القضية الفلسطينية يومًا مجرد نزاع على أرض أو حدود، بل كانت – في أصلها وحقيقتها – قضية عقيدة وهوية ورسالة وحضارة. ولهذا السبب تحديدًا، سعت مشاريع فكرية وسياسية متعددة إلى انتزاعها من إطارها الإسلامي، وإعادة تعريفها وفق رؤاها الخاصة؛ مرة باسم القومية العربية، ومرة باسم اليسار الثوري، ومرة باسم العلمانية السياسية، ومرة باسم المشروع الإيراني الرافضي. وفي خضم هذا الصراع على هوية القضية، برزت الدعوة السلفية بوصفها أحد أهم الحصون التي حافظت على البعد الإسلامي السني الأصيل لفلسطين، ومنعتها من الذوبان في المشاريع العالمية المتنافسة.

لقد شاء الله أن يربط فلسطين بالوحي قبل أن يربطها بالتاريخ أو الجغرافيا، فقال سبحانه: ﴿سبحان الّذي أسرىٰ بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الّذي باركنا حوله﴾ [الإسراء: 1]. ففلسطين في التصور الإسلامي ليست مجرد أرض متنازع عليها، بل أرض مباركة ارتبطت بعقيدة المسلمين وعبادتهم وتاريخ أنبيائهم.

غير أن التيارات القومية، منذ بدايات القرن العشرين، سعت إلى تقديم فلسطين بوصفها قضية قومية عربية خالصة، بحيث تصبح العروبة هي الرابط الأعلى، ويدفع الدين إلى الصفوف الخلفية. ورغم ما أحدثه هذا الطرح من تعبئة جماهيرية واسعة، فإنه أسهم عمليًا في حصر القضية داخل الإطار العربي، بعد أن كانت قضية أمة تمتد من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب. ولعل من المفارقات المؤلمة أن القدس ضاعت عام 1967 في زمن كانت الشعارات القومية في أوج قوتها وحضورها.

ثم جاءت التيارات اليسارية لتعيد تفسير القضية ضمن إطار الصراع الطبقي والثورة العالمية ومواجهة الإمبريالية. فتحولت فلسطين في أدبيات كثير من الحركات اليسارية إلى مجرد ساحة من ساحات الصراع بين الرأسمالية والاشتراكية، وغابت خصوصيتها الإسلامية شيئًا فشيئًا خلف الشعارات الأيديولوجية المستوردة.

أما المشروع العلماني، فقد سعى إلى اختزال القضية في نزاع سياسي قابل للحل عبر المفاوضات والتسويات الدولية، وكأن فلسطين مجرد ملف حدودي، لا قضية هوية وعقيدة وتاريخ. وهكذا أبعدت المقدسات الإسلامية عن مركز المشهد، وحلّت محلها لغة المصالح والتوازنات الدولية.

ثم جاء المشروع الإيراني الرافضي الصفوي ليقدم أخطر صور الاستغلال؛ إذ رفع شعار القدس في الإعلام، بينما انشغل على الأرض بتوسيع نفوذه الطائفي في بلاد المسلمين من اهل السنة والجماعة. فبينما كانت الخطب تتحدث عن تحرير فلسطين، كانت العواصم السنية تتعرض للتفكيك والاختراق، وكانت الدماء تراق في العراق وسوريا واليمن ولبنان، الأمر الذي أضعف الأمة وأضر بالقضية الفلسطينية أكثر مما خدمها.

في مواجهة هذه المشاريع جميعًا، وقفت الدعوة السلفية موقفًا واضحًا وثابتًا، مؤكدة أن فلسطين قضية إسلامية قبل أن تكون قضية قومية أو سياسية أو أيديولوجية. ولهذا كان علماء السلفية من أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، يؤكدون باستمرار أن المسجد الأقصى جزء من عقيدة الأمة، وأن تحريره لا ينفصل عن عودة المسلمين إلى دينهم واجتماعهم على الكتاب والسنة.

ولم تسمح الدعوة السلفية للقضية الفلسطينية أن تختطف لصالح الأحزاب أو التنظيمات أو المشاريع الطائفية، بل أعادتها دائمًا إلى أصلها الشرعي، وربطتها بسنن الله في النصر والهزيمة. فكانت تذكّر الأمة بأن تحرير القدس بدأ يوم حرر المسلمون قلوبهم من الشرك والفرقة، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يدخل القدس بقومية عربية، ولا بصراع طبقي، ولا بمشروع طائفي، وإنما دخلها بالإسلام. وكذلك استعادها صلاح الدين الأيوبي يوم جمع الأمة على الاسلام والجهاد، لا على الشعارات والانقسامات.

لقد حمت الدعوة السلفية القضية الفلسطينية من الذوبان لأنها حافظت على هويتها الأصلية، وربطتها بالوحي لا بالأيديولوجيا، وبالعقيدة لا بالشعارات، وبالأمة كلها لا بحزب أو تنظيم أو قومية. ومن هنا تتجلى أهميتها الحقيقية؛ فهي لم تدافع عن أرض فلسطين فحسب، بل دافعت عن المعنى الذي من أجله تستحق فلسطين أن تحرّر.

ولهذا؛ فإن من أعظم ما تحتاجه القضية الفلسطينية اليوم ليس قوة السلاح وحدها، بل وضوح البوصلة؛ لأن القضية التي تفقد هويتها قد تفقد نفسها، حتى وإن استعادت أرضها. أما القضية التي تبقى متصلة بعقيدتها ورسالتها، فإنها تظل حية في وجدان الأمة حتى يأذن الله بالنصر والتمكين.

موضوعات ذات صلة