هل نقد المقاومة خيانة لفلسطين؟
حين تتحول النصرة إلى حصانة من المحاسبة
د. يحيى بن راضي الغزي
من أخطر المفاهيم التي ترسخت في أجواء الحروب أن نقد أخطاء المقاومة خيانة لفلسطين، وأن من يناقش قرارًا عسكريًا أو سياسيًا اتخذته فصائل المقاومة قد انتقل تلقائيًا إلى صف الاحتلال. وهذه معادلة خطيرة؛ لأنها تخلط بين عدالة القضية وصواب كل قرار يُتخذ باسمها، وبين نصرة المظلوم ومنح قياداته حصانة من السؤال والمراجعة.
فلسطين قضية عادلة، والاحتلال واقع سياسي وعسكري ممتد، ومقاومته في أصلها حق للشعب الواقع تحت الاحتلال ضمن الضوابط الشرعية والأخلاقية والقانونية. لكن ثبوت هذا الأصل شيء، والحكم على عملية بعينها، أو توقيتها، أو وسائلها، أو حساب نتائجها شيء آخر.
وهنا لا بد من قاعدة تمنع اختلال الميزان: المسؤوليات ليست متساوية، لكنها أيضًا ليست معدومة.
فالاحتلال يتحمل المسؤولية عن قراراته وأفعاله: عن استمرار الاحتلال والاستيطان، وعن استخدام القوة، وعن أي انتهاكات يرتكبها بحق المدنيين. ولا يجوز أخلاقيًا ولا قانونيًا أن تتحول أخطاء المقاومة ـ إن وقعت ـ إلى صك يبرر استهداف المدنيين أو العقاب الجماعي أو التهجير أو تدمير مقومات الحياة. فكل طرف مسؤول عن أفعاله، ولا تسقط مسؤولية المعتدي لأن خصمه أخطأ.
وفي المقابل، فإن تحميل الاحتلال مسؤوليته لا يعني إعفاء القيادات الفلسطينية من مسؤولية قراراتها أمام شعبها. فالقيادة التي تتخذ قرارًا كبيرًا تعلم أن وراءها مجتمعًا سيدفع جزءًا من تبعاته، ولذلك يجب أن تزن القدرة والكلفة والمصلحة والمآلات، وأن تسأل قبل القرار لا بعده فقط: ماذا نستطيع؟ ماذا نريد أن نحقق؟ ما رد الفعل المتوقع؟ كيف نحمي المدنيين قدر الاستطاعة؟ وهل توجد بدائل تحقق المقصد بكلفة أقل؟
وهذا هو الفارق بين المسؤولية عن الجريمة والمسؤولية عن القرار. فلا يصح أن نقول: لأن قيادة ما أخطأت في تقدير النتائج أصبحت مسؤولة عن الجرائم التي اختار الاحتلال ارتكابها؛ فالفاعل يتحمل مسؤولية فعله. وفي الوقت نفسه لا يصح أن نقول: لأن الاحتلال هو المعتدي، فلا يجوز مراجعة القرارات الفلسطينية التي سبقت الحرب أو صاحبتها أو أدارتها.
وقد علّمنا القرآن هذا المنهج في أشرف جيل. فعندما وقعت نكسة أُحد، لم يمنع وجود العدو المعتدي القرآن من مراجعة أخطاء الصف المسلم: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: 152]. فلم يكن تشخيص الخطأ تبرئةً لقريش، كما لم تكن عداوة قريش مبررًا لرفض المراجعة.
وهنا يظهر الفرق بين نقد المقاومة ونقض المقاومة. نقض المقاومة يستغل الأخطاء للطعن في أصل حق الفلسطينيين في التحرر من الاحتلال، أما نقد المقاومة فيسعى إلى جعل قراراتها أكثر رشدًا وقدرة على تحقيق أهدافها وحماية شعبها.
والسياسة الشرعية لا تكتفي بسلامة النيات، بل تنظر إلى المصالح والمفاسد والمآلات. ولذلك فإن السؤال عن التوقيت، والاستعداد، والهدف، والكلفة المتوقعة، والبدائل المتاحة، وحماية المدنيين ليس خيانة، بل جزء من أمانة القرار.
كما أن النقد نفسه يحتاج إلى عدل؛ فلا يجوز محاكمة قرار سابق بمعلومات لم تكن متاحة عند اتخاذه، ولا بناء الأحكام على الشائعات، ولا تحويل آلام الناس إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية.
إن أخطر ما يصيب قضية عادلة أن يصبح أبناؤها بين تطرفين: طرف يبرئ الاحتلال من جرائمه بحجة أخطاء المقاومة، وطرف يمنع نقد المقاومة بحجة جرائم الاحتلال. وكلاهما يفسد ميزان العدالة.
الموقف الأكثر إنصافًا هو أن نقول بوضوح: الاحتلال مسؤول عن احتلاله وجرائمه وقراراته، والمقاومة مسؤولة عن وسائلها وقراراتها وتقديراتها، ولا تُمحى مسؤولية أحدهما بمسؤولية الآخر.
فلسطين أكبر من الفصائل، والحق أكبر من الرجال، والدم الفلسطيني أغلى من المزايدات. ومن الوفاء لفلسطين أن نواجه من يعتدي عليها، ومن الوفاء نفسه أن نراجع قراراتنا حتى لا تتكرر أخطاؤنا.
فالعدل لا يعني مساواة المسؤوليات، ولكنه يعني ألا نعفي أحدًا من مسؤولية ما اختاره وفَعَله.
