لماذا خاف الحزبيون من الصوت السلفي في قضية فلسطين؟
الأستاذ عبد القيوم البخيتي
منذ أن احتلت فلسطين، لم تكن المعركة على الأرض وحدها، بل كانت – وما تزال – معركةً على الوعي والمنهج وتوجيه الأمة. فكما حاول المشروع الصهيوني اغتصاب الأرض، حاولت تيارات حزبية مختلفة اختطاف القضية نفسها، وتحويلها من قضية أمة ودين إلى منصة تعبئة، وسوق شعارات، وميدان نفوذ تنظيمي.
وفي وسط هذا الضجيج، خرج الصوت السلفي مختلفًا؛ هادئًا في نبرته، صلبًا في أصوله، لا يتحرك بردود الأفعال، ولا يخضع لعواطف الجماهير، بل يزن الأمور بميزان الوحي، ويقرأ القضية من خلال سنن الله في النصر والهزيمة.
وهنا بدأ الخوف الحقيقي من السلفية.
لم يخف الحزبيون من السلفية لأنها سكتت عن فلسطين، بل لأنها رفضت أن تختطف فلسطين لصالح مشاريعهم. لقد كانت السلفية – وما تزال – من أوضح المدارس الإسلامية في تقرير أن فلسطين أرض إسلامية مغتصبة، وأن اليهود المحتلين أعداء للأمة بنص القرآن: ﴿لتجدن أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا﴾ [المائدة: 82].
كما قرر علماء السلفية – كابن باز، وابن عثيمين، والألباني، وغيرهم – أن التنازل عن فلسطين أو الاعتراف بشرعية الاحتلال لا يجوز شرعًا، وأن نصرة المسلمين هناك واجبة بحسب القدرة والاستطاعة.
لكن الفرق الجوهري أن السلفية لم ترد لفلسطين أن تتحول إلى «وثن سياسي» تعطل لأجله أصول الدين، أو تبرر باسمه التحالفات المشبوهة، أو يقدم لأجله أهل البدع والثورات على أنهم قادة الأمة ومحرروها.
لقد كان الصوت السلفي مزعجًا؛ لأنه أعاد طرح السؤال الذي يهرب منه الحزبيون دائمًا:
لماذا تأخر النصر؟
وكان الجواب صريحًا، لا يجامل:
لأن الأمة ضعفت التوحيد، وفرقت صفها، وقدمت الرايات الحزبية على راية الإسلام، وابتعدت عن منهج النبوة.
قال الله تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ [محمد: 7].
وقال سبحانه: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ [الأنفال: 46].
وهذا ما كانت السلفية تؤكد عليه دائمًا: أن تحرير فلسطين يبدأ بتحرير الأمة من الجهل، والبدعة، والتبعية، قبل أن يكون مواجهةً عسكريةً مع العدو.
ومن هنا خاف الحزبيون من الخطاب السلفي؛ لأنه فضح المتاجرة بالقضية، وكشف كيف تحولت فلسطين، عند بعض الجماعات، إلى وسيلة لتوسيع النفوذ، أو تمرير المشاريع الثورية، أو تلميع التحالفات مع الروافض، واليساريين، والعلمانيين باسم «المقاومة».
وكم رأينا – في العقود الأخيرة – مشاريع رفعت شعار تحرير القدس، ثم انتهت إلى تمزيق المجتمعات السنية، أو توسيع النفوذ الإيراني، أو إغراق الأمة في الفوضى والاقتتال الداخلي، بينما بقي الاحتلال في مكانه يراقب الانهيار الكبير.
لقد أدركت السلفية أن أخطر ما يمكن أن يحدث لفلسطين هو أن تنتزع من إطارها الإسلامي الصحيح، لتصبح أداةً بيد التنظيمات، أو وقودًا للثورات غير المنضبطة، أو جسرًا تعبر عليه المشاريع الطائفية.
ولهذا كانت السلفية تنصر فلسطين بطريقة مختلفة:
– تنصرها بحماية عقيدة الأمة.
– وتنصرها بتربية جيل يعرف معنى الولاء والبراء.
– وتنصرها بكشف الخداع الإعلامي والسياسي.
– وتنصرها بربط الناس بالله، لا بالأحزاب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: «وما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة».
وهذه هي الرسالة التي لم يرد الحزبيون للأمة أن تسمعها؛ لأن الأمة إذا عادت إلى الوحي، سقطت مشاريعهم.
ولهذا سيبقى الصوت السلفي مزعجًا لهم؛ لأنه لا يسمح لأحد أن يسرق فلسطين من الإسلام باسم فلسطين نفسها، ولا أن يحول قضية المسجد الأقصى إلى سلم للصعود الحزبي أو الطائفي.
فالسلفية لم تخذل فلسطين يومًا، لكنها رفضت أن تنصر القضية بمنهج قد يضيعها مرةً أخرى.
