المعلم الذي يصنع جيل التحرير: من الفصل الدراسي إلى تحرير فلسطين
د. معاذ الرواشدة
ليست كل معارك فلسطين عند الحواجز والحدود، ولا كل ميادين التحرير ساحات مواجهة؛ فثمة معركة هادئة تجري كل صباح داخل الفصل الدراسي، حيث يقف معلم أمام عشرات الأطفال، وفي يده ما قد يكون أبقى أثرًا من كثير من أدوات القوة: عقول الجيل القادم.
فالطفل الفلسطيني الذي يجلس اليوم على مقعد الدراسة قد يصبح غدًا عالمًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو إعلاميًا أو قائدًا أو مربّيًا. ولذلك فالسؤال الأهم ليس فقط: ماذا سيتعلم؟ بل: أي إنسان سيخرج من المدرسة؟
الإيمان قبل التمكين:
أول ما يحتاج إليه جيل التحرير قلب يعرف ربه، ويستمد منه الثبات والرجاء. قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾.
وهنا تبدأ رسالة المعلم المسلم: أن يربط العلم بالإيمان، والنجاح بالأمانة، وحب فلسطين بعبادة الله، وأن يصل الجيل بالكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، بعيدًا عن الغلو والحزبية والطائفية.
فالصحابة لم يتلقوا القرآن معلومات مجردة، بل علمًا وإيمانًا وعملًا؛ وهكذا ينبغي أن يُبنى جيل التحرير: يعرف الحق، ويؤمن به، ثم يستقيم عليه.
صناعة العقل لا تعبئة الغضب:
المعلم الناجح لا يصنع طفلًا غاضبًا، بل إنسانًا واعيًا؛ يعلمه أن يسأل ويقرأ ويتحقق، ويفرق بين الحقيقة والدعاية، وألا يسمح لشائعة أو مقطع مبتور أو خطاب حزبي أن يصنع موقفه.
وهذا أشد أهمية في عصر الهاتف والمنصات؛ لأن معركة فلسطين أصبحت أيضًا معركة رواية وذاكرة ومعلومة. ومن لا يمتلك عقلًا ناقدًا قد يصبح أسيرًا للتضليل، ولو كان شديد الحماسة لقضيته.
المعلم حارس الذاكرة:
من أخطر صور الهزيمة أن يكبر الطفل وهو لا يعرف تاريخ أرضه. ولهذا فإن المعلم حارس للذاكرة: يعرّف طلابه بالقدس والمسجد الأقصى، وبتاريخ فلسطين وأهلها، وبالاحتلال والتهجير والاستيطان، بلغة علمية موثقة لا تقوم على الأساطير والمبالغات.
فالحق لا يحتاج إلى كذبة تدافع عنه، والقضية العادلة يضرها الخبر الكاذب كما يضرها الصمت.
الأخلاق قبل الشعارات:
جيل التحرير ليس جيلًا يحفظ الهتافات ثم يغش في امتحانه، أو يتحدث عن الأقصى ثم يظلم الناس؛ وإنما هو جيل الصدق والأمانة والعفة والانضباط وحفظ الحقوق.
وهنا تظهر عظمة المعلم القدوة؛ فالطلاب يتعلمون من سلوكه أحيانًا أكثر مما يتعلمون من كتابه. فإذا رأوا فيه الصدق والعدل والرحمة والجدية، تحولت القيم من كلمات محفوظة إلى حياة معاشة.
وقبل أن نطالب المعلم بصناعة جيل التحرير، علينا أن نصنع المعلم نفسه: صحيح العقيدة، واسع المعرفة، ثابت الهوية، صادق الانتماء إلى أمته؛ لأن فاقد البوصلة لا يستطيع أن يدل الأجيال على الطريق.
لا تزرعوا اليأس:
أخطر ما يمكن أن يستقر في قلب الطفل الفلسطيني أن الاحتلال قدر أبدي. فلا ينبغي للمعلم أن يقدم له أوهامًا ولا مواعيد مصطنعة للنصر، لكنه يعلمه سنن الله في الأمم: أن الظلم لا يدوم، وأن النهوض يحتاج إيمانًا وعلمًا وصبرًا وعملًا طويلًا.
فالرجاء الصادق ليس حلمًا؛ بل طاقة للبناء.
من الفكرة إلى الفصل: ماذا يفعل المعلم؟
ولا ينبغي أن تبقى هذه المعاني حبيسة المقالات. يستطيع المعلم أن يبدأ بخطوات صغيرة ولكنها عميقة الأثر: أن يخصص دقائق منتظمة لربط المعرفة بالقيم، ويعلّم طلابه التثبت من الأخبار ومصادرها، ويعرّفهم بتاريخ فلسطين من المراجع الموثوقة، ويشجع القراءة والبحث والحوار، ويكتشف مواهبهم وينميها، ويجعل الصدق والأمانة والانضباط سلوكًا يوميًا داخل الفصل.
وليكن حريصًا على ألا يحول الطالب إلى نسخة حزبية منه، بل إلى مسلم واعٍ مستقل التفكير، ثابت الهوية، نافع لأمته. وليعلّمه أن خدمة فلسطين أبواب واسعة: بالتفوق في الطب والهندسة والتعليم والإعلام والبحث والاقتصاد، وبحفظ الذاكرة، وإغاثة المحتاج، وقول الحق، والإتقان في كل موقع.
إننا نحتاج معلمًا يرى في كل طالب مشروع إنسان، وفي كل درس لبنة في مستقبل فلسطين؛ يربي الطبيب الذي يحفظ الحياة، والمهندس الذي يعيد البناء، والعالم الذي ينتج المعرفة، والإعلامي الذي يحمي الحقيقة، والقائد الذي يحمل الأمانة.
فإذا أردتم أن تعرفوا أين يبدأ مستقبل فلسطين، فلا تنظروا إلى الحدود وحدها؛ انظروا إلى الفصل الدراسي: من يقف أمام السبورة؟ وماذا يغرس في العقول؟ وأي رجال ونساء يخرجون من بين يديه؟ فكل جيل عظيم بدأ يومًا أطفالًا، وكان وراء كثير منهم معلم آمن بأن مهمته أكبر من شرح درس: إنها بناء إنسان.
