حين كشفت القيادات الفلسطينية حجم التنازلات

د. ياسر الخالدي

أشد الشهادات إيلامًا ليست تلك التي يكتبها الخصوم، بل التي تخرج من غرف أصحاب القرار أنفسهم. وحين يتعلق الأمر بفلسطين، فإن بعض الوثائق والتصريحات الفلسطينية لا تحتاج إلى كثير من المبالغة؛ فهي تكشف وحدها المسافة التي نشأت بين لغة الحقوق المعلنة وما أصبح مطروحًا خلف أبواب التفاوض.

كانت اللحظة الفاصلة في سبتمبر/أيلول 1993، عندما بعث ياسر عرفات رسالته إلى إسحاق رابين معلنًا اعتراف منظمة التحرير بـ«حق دولة إسرائيل في الوجود بسلام وأمن»، وقبول القرارين 242 و338، والالتزام بالمسار التفاوضي. وهكذا اعترفت المنظمة بإسرائيل قبل أن تحصل على دولة فلسطينية ذات سيادة، أو حل نهائي للقدس واللاجئين والحدود والمستوطنات.

لكن اتفاق أوسلو لم ينشئ دولة فلسطينية مستقلة؛ بل أقام سلطة انتقالية كان يفترض أن تقود مرحلة محدودة إلى مفاوضات الوضع النهائي. غير أن المؤقت طال، والدولة لم تقم، والاستيطان استمر، بينما تحولت السلطة مع مرور السنوات إلى جهاز حكم وإدارة يعتمد وجوده السياسي والاقتصادي على بنية شديدة التعقيد من الاتفاقات والتنسيق والعلاقات الدولية.

وهنا ظهرت المفارقة: الاحتلال باق، والاستيطان يتوسع، والسلطة باقية كذلك.

ثم جاءت «وثائق فلسطين» التي كشف عنها عام 2011، وهي آلاف الصفحات من محاضر ووثائق المفاوضات الفلسطينية–الإسرائيلية، لتفتح نافذة نادرة على ما كان يجري داخل غرف التفاوض. وأظهرت الوثائق أن المفاوضين الفلسطينيين ناقشوا إمكان بقاء أجزاء واسعة من المستوطنات الإسرائيلية في القدس الشرقية تحت السيادة الإسرائيلية ضمن تسوية نهائية.

ومن أكثر العبارات إثارة للجدل ما ورد في المحاضر على لسان كبير المفاوضين صائب عريقات، وهو يصف العرض الفلسطيني بشأن القدس بأنه يمنح إسرائيل ما سماه «أكبر يروشالايم في التاريخ». وفي سياق آخر، وبعد تعداد ما اعتبره تنازلات أو عروضًا فلسطينية في قضايا القدس واللاجئين والأمن، تساءل: «ماذا يمكنني أن أعطي أكثر؟»

أما قضية اللاجئين، وهي إحدى القضايا المؤسسة للصراع، فقد كشفت المحاضر أن المفاوضات لم تكن تدور حول عودة ملايين اللاجئين إلى ديارهم، بل حول صيغ وأعداد محدودة ضمن التسوية. كما نقل عن محمود عباس في تلك المحاضر حديث يستبعد عمليًا مطالبة إسرائيل باستيعاب ملايين اللاجئين.

ومن الإنصاف أن يقال إن صائب عريقات والقيادة الفلسطينية اعترضوا بشدة على الطريقة التي قدمت بها هذه الوثائق، ورأوا أن إخراج المقترحات من سياق المفاوضات يشوه حقيقة الموقف الفلسطيني، وأن أي تنازل لم يكن مطروحًا منفردًا، وإنما في إطار اتفاق نهائي متبادل لم يتحقق.

لكن المشكلة أعمق من وثيقة أو جملة.

فبعد أكثر من ثلاثة عقود على أوسلو، يحق للفلسطيني أن يسأل: ماذا بقي من فرضية «المرحلة الانتقالية»؟ إذا كانت الدولة لم تقم، والاستيطان لم يتوقف، والقدس تزداد تعرضًا لفرض الوقائع الإسرائيلية، فما الذي تحول من مؤقت إلى دائم؟

وهنا يصبح الحديث عن الكراسي سؤالًا سياسيًا مشروعًا، لا اتهامًا للنوايا: هل أدت بنية السلطة ومؤسساتها وامتيازاتها والتزاماتها إلى نشوء مصالح تجعل المحافظة على النظام السياسي القائم هدفًا قائمًا بذاته، حتى عندما يتراجع مشروع التحرر الذي أنشئت المرحلة الانتقالية من أجله؟

الوثائق المذكورة لا تجيز لنا أن نقول إن فلانًا «باع فلسطين مقابل منصب»؛ فذلك يحتاج إلى دليل مباشر لا إلى الغضب السياسي. لكنها تسمح بسؤال أشد خطورة: هل تحولت السلطة من أداة يفترض أن تقود إلى إنهاء الاحتلال إلى بنية أصبحت قادرة على التعايش طويلًا مع استمراره؟

وهذا هو السؤال الذي ينبغي ألا تضيعه الشعارات.

فلسطين ليست ملكًا لحزب، ولا لمنظمة، ولا لرئيس، ولا لمفاوض. والقدس ليست بندًا في دفتر مساومات، واللاجئون ليسوا أرقامًا يمكن تخفيضها حتى تتناسب مع شروط الأقوى.

القيادة تتغير، والكراسي تزول، أما حق الشعوب في أرضها فلا يملكه جيل حتى يتنازل عنه للأجيال القادمة.

موضوعات ذات صلة