جيل التحرير… يولد في البيوت قبل أن يظهر في الميدان

الدكتور عبد الله الريسوني

لا يولد جيل التحرير في ساحات القتال، بل يولد قبل ذلك بسنوات في حضن أم، وعلى يد معلم، وفي مجلس عالم، وبين صفحات كتاب، وفي بيت امتلأ بالإيمان، ومدرسة غرست فيها القيم، ومسجد تعلقت فيه القلوب بالله.

فهناك تبدأ معركة التحرير الحقيقية.

أما الميدان، فليس إلا الثمرة الأخيرة لسنوات طويلة من التربية والإعداد.

لقد علمنا القرآن أن النصر لا يبدأ بجالوت، بل يبدأ بطالوت.

فلم يذكر الله المعركة أولًا، وإنما ذكر الرجل الذي ربّى، والصف الذي صبر، والقلوب التي امتحنت، والنفوس التي ثبتت، حتى إذا اكتمل بناء الإنسان، جاء التمكين ثمرةً طبيعية لذلك البناء.

وهذه سنة ربانية لا تتغير.

فالأوطان لا يحررها الغاضبون وحدهم، وإنما يحررها المربون، والعلماء، والمعلمون، والآباء والأمهات، وكل من يشارك في صناعة الإنسان.

ولهذا لم يبدأ النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ببناء جيش، ولا بتأسيس دولة، وإنما بدأ ببناء الإنسان. ربّى العقيدة قبل القوة، والإيمان قبل السلطان، والصدق قبل النصر، حتى خرج من مدرسته جيل غيّر مجرى التاريخ، لا لأنه كان أكثر الناس عددًا، بل لأنه كان أعظمهم إيمانًا، وأصدقهم رسالة، وأقواهم يقينًا.

وهكذا تبنى الأمم في كل زمان.

إن فلسطين اليوم لا تحتاج إلى جيل يحسن ترديد الشعارات، بقدر حاجتها إلى جيل يحسن حمل الأمانة.

جيل يعرف أن حب فلسطين ليس عاطفة موسمية، بل مسؤولية دائمة، وأن الدفاع عن الحق لا يكون بالحماس وحده، بل بالعلم، والوعي، والعمل، والصبر، والإعداد الطويل.

إن جيل التحرير هو الطفل الذي تربى على القرآن قبل أن يتابع الأخبار، وهو الشاب الذي تعلم أن يبني نفسه قبل أن يطالب ببناء أمته، وهو الفتاة التي أدركت أن تربية جيل صالح قد تكون أعظم أثرًا من آلاف الكلمات، وهو الباحث الذي يدافع عن الحقيقة بقلمه، والمعلم الذي يغرس القيم في طلابه، والإعلامي الذي يحمي وعي الناس من التضليل، والداعية الذي يربط الأمة بربها قبل أن يربطها بأحداثها.

فكل واحد من هؤلاء يقف في ثغر من ثغور التحرير.

إن الرصاصة قد تحمي وطنًا يومًا، أما التربية فتحميه أجيالًا.

وقد يحرر المقاتل مدينة، لكن المربي يصنع الإنسان الذي يحفظها بعد التحرير.

ولهذا كانت أعظم معارك الأمة هي معركة بناء الإنسان، لأنها المعركة التي يتحدد على ضوئها مصير سائر المعارك.

وليس من قبيل المصادفة أن تبدأ كل نهضة حقيقية بإصلاح الفكر، وتزكية النفوس، وبناء الأخلاق، وإحياء العلم.

فالأمم لا تنهض بالانفعال، وإنما تنهض بالرسالة.

ولا تنتصر بالصوت المرتفع، وإنما تنتصر بالإنسان المرتفع في إيمانه، وأخلاقه، وعلمه، وانضباطه.

إن تحرير فلسطين ليس مشروع جيل واحد، بل مشروع أمة تحسن تربية أجيالها، وتورث أبناءها العقيدة قبل الشعارات، والوعي قبل الحماسة، والعمل قبل الأمنيات.

ولهذا فإن أعظم هدية نقدمها لفلسطين ليست منشورًا عابرًا، ولا خطابًا حماسيًا، وإنما طفل نربيه على الصدق، وشاب نغرس فيه حب العلم، وأسرة نبنيها على الإيمان، ومدرسة تخرج أصحاب المبادئ، ومجتمع يوقن أن صناعة الإنسان هي الطريق الأقصر إلى صناعة الحضارة.

وهنا تبدأ مسؤوليتنا.

فنحن لا ننتظر جيل التحرير…

بل نصنعه.

نصنعه في بيوتنا، وفي مدارسنا، وفي مساجدنا، وفي جامعاتنا، وفي مؤسساتنا، وفي كل مكان يبنى فيه الإنسان.

فهناك تكتب الصفحة الأولى من مستقبل فلسطين.

وقد يرى الناس التحرير يوم ترتفع الرايات فوق القدس، أما نحن فنراه يبدأ قبل ذلك بسنوات؛ يوم ترفع أم طفلها على الإيمان، ويغرس معلم في تلميذه حب الحق، ويوقظ عالم في الأمة معنى الرسالة، ويؤمن شاب أن إصلاح نفسه هو أول خطوة في إصلاح أمته.

فمن هنا يولد جيل التحرير…

ومن هنا يبدأ الطريق إلى فلسطين.

موضوعات ذات صلة