هل انتصر الاحتلال لأن الله معه؟

 د. أحمد عبد المقصود – مصر

من أخطر المفاهيم التي تسللت إلى عقول بعض المسلمين عند الحديث عن القضية الفلسطينية قولهم: «لو لم يكن الله مع اليهود لما انتصروا، ولما مكّن لهم في فلسطين». وهي مقولة تبدو في ظاهرها تفسيرًا للواقع، لكنها في حقيقتها خطأ عقدي جسيم، وسوء فهم لسنن الله في الكون، وقراءة مقلوبة للتاريخ والقرآن والسنة والواقع.

فهل كل من انتصر كان محبوبًا عند الله؟

وهل كل من هُزم كان مبغوضًا عنده؟

لو كان الأمر كذلك، لكان فرعون أحب إلى الله من موسى عليه السلام، ولكان النمرود خيرًا من إبراهيم، ولكانت قريش يوم أُحد أقرب إلى الله من رسول الله ﷺ وأصحابه، ولكان التتار الذين اجتاحوا بلاد المسلمين أولياء لله! وهذا باطل يناقض القرآن والعقل والتاريخ.

إن القرآن يقرر قاعدة عظيمة، وهي أن الله سبحانه يجري سننه الكونية على جميع الناس، مؤمنهم وكافرهم، فقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140]. فالتداول سنة كونية، أما العاقبة فهي شيء آخر، قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: 128].

وهنا يكمن الفرق الذي يغفل عنه كثيرون؛ فالنصر المؤقت ليس هو العاقبة، والتفوق العسكري ليس شهادة من الله بصحة العقيدة أو عدالة القضية.

لقد منح الله أقوامًا كفارًا من القوة والملك ما لم يمنحه لأنبيائه في بعض الأزمنة، لا حبًا لهم، وإنما ابتلاءً لهم واستدراجًا، وامتحانًا لعباده المؤمنين. قال سبحانه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ [آل عمران: 178].

أما ما يملكه الاحتلال اليوم من تفوق عسكري وتقني واستخباراتي، فليس دليلًا على تأييد الله له، وإنما هو نتيجة مباشرة لأخذه بأسباب دنيوية، ودعمٍ سياسي وعسكري واقتصادي غير مسبوق، في مقابل ما تعانيه الأمة من فرقة، وضعف، وتقصير في إعداد القوة التي أمر الله بها، قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60].

ولو كان مجرد التفوق العسكري دليلًا على رضا الله، لما انهارت إمبراطوريات ملأت الأرض قوةً وجبروتًا؛ فقد سقطت دولة فرعون، وزال ملك بابل، وانتهت الإمبراطورية الرومانية، وتفككت إمبراطوريات كانت تبدو خالدة. وهذه سنة الله في كل قوة تقوم على الظلم.

بل إن القرآن نفسه يبين سبب الهزيمة التي وقعت للمسلمين في غزوة أحد، فلم ينسبها إلى قوة المشركين، ولا إلى محبة الله لهم، وإنما إلى مخالفة المسلمين لأسباب النصر، فقال تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: 152]. فالخلل كان في الأمة، لا في وعد الله، والهزيمة كانت درسًا، لا حكمًا نهائيًا.

وفي القضية الفلسطينية خاصة، فإن من يظن أن الاحتلال انتصر لأن الله معه، يغفل عن حقيقة واضحة، وهي أن هذا الاحتلال لم يقم على معجزة، وإنما قام على مشروع استيطاني طويل، ودعم دولي واسع، وتفوق علمي وتقني، واستثمار منظم في القوة، في الوقت الذي كانت فيه الأمة تعيش التمزق والاستعمار والتخلف. وهذه كلها أسباب تجري وفق سنن الله، ولا علاقة لها برضاه عن الظالمين.

إن أخطر ما يريده الاحتلال ليس احتلال القدس وحدها، بل احتلال عقول المسلمين، حتى يقتنعوا أن تفوقه قدرٌ إلهي لا يُرد، وأن مقاومته عبث، وأن وعد الله بالنصر قد انتهى. وهنا تكون الهزيمة الحقيقية؛ لأن سقوط الوعي أخطر من سقوط الأرض.

إن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى تفسيرات يائسة، بل إلى فهم صحيح لسنن الله. فالحق قد يُبتلى، لكنه لا يموت، والباطل قد يقوى، لكنه لا يدوم، والتمكين لا يُنال بالأماني، بل بالإيمان، والوحدة، وإعداد القوة، والأخذ بالأسباب.

ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: لماذا يملك الاحتلال القوة اليوم؟ بل: لماذا قصَّرت الأمة في الأخذ بأسباب القوة التي أمرها الله بها؟

وحين تصحح الأمة هذا المفهوم، تدرك أن الطريق إلى تحرير فلسطين لا يبدأ باليأس من وعد الله، بل بالإيمان بسننه، والعمل بها، والثقة بوعده الذي لا يتخلف: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ﴾ [الحج: 40].

موضوعات ذات صلة