الاستيطان… الحرب التي لا تتوقف

د. خالد العجمي

بينما كانت أنظار العالم تتجه إلى ساحات الحرب، كانت جرافة إسرائيلية تقتلع أشجار الزيتون في قرية فلسطينية، وفي مكان آخر كانت بؤرة استيطانية جديدة تُقام على تلة في الضفة الغربية، وفي القدس كانت تُستكمل حلقات تطويق المدينة بالمستوطنات. هكذا يعمل المشروع الصهيوني؛ فإذا انشغل العالم بالحروب، انشغل هو بتغيير الخريطة. فالحروب قد تتوقف، أما حرب الاستيطان فلا تعرف هدنة.

فالاستيطان ليس نشاطًا عمرانيًا، ولا مجرد أحياء سكنية جديدة كما تحاول الدعاية الصهيونية تصويره، بل هو جوهر المشروع الصهيوني، وأخطر أدواته في السيطرة على الأرض، وإعادة تشكيل الجغرافيا، وتغيير الواقع الديموغرافي، وفرض حقائق تجعل أي تسوية مستقبلية أكثر تعقيدًا، وربما مستحيلة.

إن الاحتلال قد ينسحب من أرض احتلها بقوة السلاح تحت ضغط المقاومة أو التحولات السياسية، لكنه لا ينسحب بسهولة من أرض غرس فيها مئات الآلاف من المستوطنين، وربطها بشبكات الطرق والبنية التحتية، وأخضعها لقوانينه وإدارته. ولهذا، فإن المستوطنة ليست منزلًا يُبنى، بل حدودًا جديدة تُرسم، وخريطةً تُعاد صياغتها، ومستقبلًا يُفرض على الأجيال القادمة.

ولهذا السبب، لم يتوقف الاستيطان يومًا؛ لا في زمن الحرب، ولا في سنوات المفاوضات، ولا خلال الفترات التي رُفع فيها شعار «عملية السلام». ففي الوقت الذي كانت الوفود تتبادل المصافحات أمام عدسات الكاميرات، كانت الجرافات تعمل بلا توقف، وتتوسع المستوطنات على قمم الجبال، وتُشق الطرق الالتفافية، بينما كانت القرى الفلسطينية تُحاصر تدريجيًا، ويُضيَّق على عمرانها وامتدادها الطبيعي.

واليوم، تشهد الضفة الغربية والقدس الشرقية تسارعًا في النشاط الاستيطاني، مع التوسع في البؤر الاستيطانية، والاعتداء على الأراضي الزراعية، والاستيلاء على مزيد من الأراضي، واستمرار القيود المفروضة على البناء الفلسطيني، بما يغيّر معالم الأرض ويفرض وقائع جديدة يصعب التراجع عنها مع مرور الزمن.

إن أخطر ما في الاستيطان أنه لا يستهدف الأرض وحدها، بل يستهدف الزمن أيضًا. فكل يوم يمر تُضاف وحدات استيطانية جديدة، وتتوسع الكتل القائمة، وتزداد شبكة الطرق التي تربطها، حتى يتحول الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم، ويصبح استرداد الأرض أكثر تعقيدًا من ذي قبل.

ومن هنا، فإن الاقتصار على متابعة المواجهات العسكرية مع إغفال ما يجري في الضفة الغربية والقدس يقدم صورة ناقصة عن طبيعة الصراع. فالحرب قد تهدم مبنى، أما الاستيطان فيُعيد رسم الخريطة. والقذيفة قد تقتل إنسانًا، أما المستوطنة فتسعى إلى حرمان شعب كامل من أرضه، وتغيير هوية المكان، ومصادرة مستقبل الأجيال.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن تؤكد الأمم المتحدة مرارًا أن المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تتمتع بأي شرعية قانونية وفق القانون الدولي، كما عدّها مجلس الأمن في قراره رقم 2334 الصادر عام 2016 انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي، وعقبة رئيسة أمام تحقيق سلام عادل ودائم. كما خلص الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر عام 2024 إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي وسياساته في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك التوسع الاستيطاني، يتعارض مع قواعد القانون الدولي، ويستوجب إنهاء الوضع غير المشروع.

ومع ذلك، لم توقف الإدانات الدولية جرافة واحدة، ولم تُزل مستوطنة واحدة، ولم تُعد قرية صودرت أرضها، الأمر الذي يكشف اتساع الفجوة بين الشرعية الدولية (!) والقدرة على إنفاذها.

لقد أدرك الاحتلال منذ وقت مبكر أن كسب الحرب لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بكسب عامل الزمن. فهو يراهن على انشغال العالم بالأزمات، وعلى تراجع الاهتمام الإعلامي، وعلى تحويل المستوطنة الصغيرة إلى مدينة كبيرة، والبؤرة المؤقتة إلى أمر واقع، حتى تصبح الخرائط الجديدة أكثر رسوخًا من الخرائط التاريخية.

إن معركة فلسطين اليوم ليست معركة حدود فحسب، بل معركة وجود وهوية وتاريخ. ومن يظن أن الاستيطان قضية ثانوية لم يدرك بعد أن الاحتلال قد يربح معركة بالدبابة، لكنه يسعى إلى كسب المستقبل بالمستوطنة.

لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال لا ينتصر بالدبابة وحدها، بل بالمستوطنة أيضًا. فالرصاصة قد تقتل إنسانًا، أما المستوطنة فتسعى إلى قتل وطن، ومحو هوية، ومصادرة مستقبل أمة بأكملها. ولهذا فإن أخطر ما يواجه فلسطين اليوم ليس عدد الدبابات، بل عدد الجرافات التي تعمل كل صباح، وهي تعتقد أن الزمن كفيل بتحويل الباطل إلى واقع. غير أن التاريخ يعلّمنا أن الحقوق قد تتأخر، لكنها لا تسقط بالتقادم، وأن الأرض التي رُويت بدماء أهلها لا يغيّر حقيقتها إسمنت المستوطنات، ولا قرارات الاحتلال، ولا صمت العالم.

موضوعات ذات صلة