هل السلام هو الحل الوحيد… أم الوهم الذي أطال عمر الاحتلال؟

قراءة في ضوء التاريخ والواقع

د. محمد الهادي بن سالم القيرواني

يردد بعض الساسة والإعلاميين منذ عقود شعارًا أصبح مألوفًا في الخطاب السياسي العربي: «السلام هو الحل الوحيد والخيار الاستراتيجي.» ويقدم هذا الشعار وكأنه حقيقة لا تقبل النقاش، ومن يعارضه يتهم بأنه يرفض السلام ويبحث عن الحرب.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أكثر من خمسة عقود من اتفاقيات السلام، وأكثر من ثلاثين عامًا على اتفاق أوسلو، هو: ماذا حقق هذا السلام؟ وهل أوصل المنطقة إلى الأمن والاستقرار، أم منح الاحتلال مزيدًا من الوقت والقوة لتوسيع مشروعه؟

إن المشكلة ليست في مبدأ السلام؛ فالإسلام دين السلام العالمي القائم على العدل، قال تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾، لكن القرآن نفسه نهى عن الاستسلام للظلم والتنازل عن الحقوق، فقال سبحانه: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون﴾ [محمد: 35]. فالسلام الذي يقوم على العدل شيء، وأما السلام الذي يفرضه المحتل على ضحيته فهو استسلام لا سلام.

ولعل أكبر شاهد على ذلك ما جرى بعد اتفاقية أوسلو عام 1993. فقد اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية بالكيان الإسرائيلي، وقبلت الدخول في مسار تفاوضي طويل، ووعد الفلسطينيون بدولة مستقلة، وإنهاء الاحتلال، وحل قضايا القدس واللاجئين والمستوطنات خلال سنوات قليلة.

لكن ماذا كانت النتيجة؟

بعد أكثر من ثلاثة عقود، لم تقم الدولة الفلسطينية، ولم تتوقف المستوطنات، ولم تتحرر القدس، ولم يعد اللاجئون، بل تضاعف عدد المستوطنين مرات عدة، وتوسعت المستوطنات (المغتصبات)، وقطعت أوصال الضفة الغربية، ودمرت غزة، وتحولت السلطة الفلسطينية إلى إدارة مدنية مساوية الإرادة ومحدودة الصلاحيات تحت هيمنة الاحتلال.

لقد حصل الفلسطينيون على سراب الوعود، بينما حصل الاحتلال على اعتراف سياسي ووقت ثمين لترسيخ احتلاله.

ولم تكن هذه التجربة استثناءً، بل تكررت الصورة بدرجات مختلفة مع عدد من الدول العربية التي وقعت اتفاقيات سلام مع إسرائيل. فقد قيل إن السلام سيحقق الأمن والاستقرار، لكن الواقع أثبت أن قادة الاحتلال لم يتوقفوا عن إطلاق التهديدات تجاه دول الجوار، وفي مقدمتها مصر والأردن، كما لم يتوقفوا عن إعلان أطماعهم السياسية والعسكرية، ولم يغيروا عقيدتهم القائمة على التفوق والتوسع وفرض الهيمنة.

وإذا كانت الاتفاقيات قد أوقفت الحرب المباشرة بين بعض الدول وإسرائيل، فإنها لم تنه الصراع، ولم تغير طبيعة المشروع الصهيوني، ولم تمنع استمرار الاحتلال والاستيطان والاعتداءات.

وهذا ليس أمرًا مفاجئًا؛ فالحركة الصهيونية لم تنشأ أصلًا لتحقيق السلام، وإنما لإقامة مشروع استيطاني توسعي. ولذلك لم يكن التفاوض بالنسبة إليها هدفًا، بل وسيلة لكسب الوقت، وتخفيف الضغوط الدولية، وإعادة ترتيب أوراقها، ثم العودة لفرض وقائع جديدة على الأرض.

لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال كان يوقع الاتفاقيات بيد، بينما يبني المستوطنات باليد الأخرى. ويتحدث عن السلام في المؤتمرات، بينما يواصل القتل والتهجير والحصار على الأرض. وهكذا تحولت كثير من جولات التفاوض إلى غطاء سياسي منح الاحتلال شرعية دولية، بينما كانت الجرافات تغير الجغرافيا الفلسطينية كل يوم.

إن السلام الحقيقي لا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بمدى تحقيقه للعدل. فإذا بقي الاحتلال، واستمرت المستوطنات، وصودرت الأراضي، ودنست المقدسات، وشرد أصحاب الأرض، فأي سلام هذا؟

لقد أثبتت التجربة أن السلام الذي يفرض على المظلوم مع بقاء الظلم ليس سلامًا، وإنما إدارة للصراع بما يخدم الطرف الأقوى.

إن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى شعارات براقة، بل إلى قراءة صادقة للتاريخ. فالتاريخ يعلمنا أن الحقوق لا يحميها التوقيع وحده، بل يحميها العدل والقوة والإرادة. أما الاتفاقيات التي تبنى على اختلال موازين القوة وتجاهل الحقوق، فإنها لا تصنع سلامًا دائمًا، وإنما تؤجل الانفجار القادم.

ولهذا فإن المقولة الأدق ليست: «السلام هو الحل الوحيد.» بل:

السلام العادل هو الحل، أما السلام الذي يشرعن الاحتلال ويمنحه مزيدًا من الوقت لتوسيع مشروعه، فليس سلامًا… بل الوجه السياسي للاستسلام.

موضوعات ذات صلة