فلسطين بين السلفيين وخصومهم
الأستاذ راضي البلوي
كلما اشتدت الأحداث في فلسطين، عادت إلى الواجهة حملة قديمة تتجدد بصيغ مختلفة، مفادها أن السلفيين بعيدون عن قضايا الأمة، أو أنهم لا يحملون هم فلسطين، أو أنهم يقفون موقف المتفرج من معاناة أهلها. وهي دعوى رددها خصوم الدعوة السلفية سنوات طويلة، حتى استقرت في أذهان بعض الناس وكأنها حقيقة مسلمة، مع أنها لا تصمد أمام قراءة منصفة لمواقف العلماء، ولا أمام دراسة موضوعية لفتاواهم وبياناتهم وجهودهم العملية.
وليس من العدل أن تقرأ مواقف أي منهج من خلال خصومه، بل تقرأ من مصادره الأصلية، ومن مواقف علمائه الموثقة. وعندها يتبين أن الخلاف بين السلفيين وخصومهم لم يكن يومًا حول وجوب نصرة فلسطين، فهذه قضية أجمع عليها المسلمون، وإنما كان الخلاف حول المنهج الذي تنصر به فلسطين، والوسائل التي تحقق مصلحة الأمة وتحفظ ثوابتها.
فالسلفيون ينطلقون من أن فلسطين قضية إسلامية قبل أن تكون قضية سياسية، وأن المسجد الأقصى من أعظم مقدسات المسلمين، وأن الاحتلال الصهيوني احتلال غاصب يجب مقاومته، وأن نصرة الفلسطينيين واجبة بحسب القدرة والاستطاعة، كل فيما يقدر عليه من دعاء، أو مال، أو بيان، أو إغاثة، أو إعداد مشروع.
لكنهم، في الوقت نفسه، يرفضون أن تتحول القضية إلى وسيلة لتبرير البدع، أو منصة للدعاية الحزبية، أو غطاء للتحالف مع مشاريع تناقض أصول الإسلام، لأن عدالة القضية لا تبرر فساد المنهج، كما أن شرف الغاية لا يسوغ الوسائل المحرمة.
وفي المقابل، تعامل كثير من خصومهم مع القضية بمنطلقات متباينة؛ فمنهم من جعلها قضية قومية مجردة، ومنهم من ألبسها ثوب الصراع الطبقي، ومنهم من استثمرها لتوسيع نفوذ حزبه أو جماعته، ومنهم من جعلها مدخلًا للتحالف مع مشاريع طائفية أو علمانية، بحجة أن المعركة تقتضي تجاوز الخلافات العقدية.
ومن هنا نشأ الخلاف الحقيقي.
لقد كانت الدعوة السلفية تسأل السؤال الذي كثيرًا ما يتجنب: لماذا يتأخر النصر رغم كثرة الشعارات؟ وكان جوابها مستمدًا من القرآن الكريم؛ فالنصر وعد من الله، لكنه وعد مشروط، قال تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾. ولذلك أكدت أن إصلاح العقيدة، وجمع الكلمة على الحق، والأخذ بأسباب القوة، ليست قضايا منفصلة عن تحرير فلسطين، بل هي من أعظم مقدماته.
ولم يكن علماء السلفية متفرجين على ما يجري، كما يزعم بعض خصومهم، بل صدرت عنهم فتاوى وبيانات متتابعة تؤكد حرمة الاحتلال، وتحريم التنازل عن أرض فلسطين، ووجوب نصرة المسلمين فيها بما تسمح به القدرة والاستطاعة، مع التحذير من كل ما يزيد الأمة فرقة أو يجعل القضية أداةً للصراع الحزبي أو الطائفي.
وقد أثبت الواقع أن كثيرًا من الشعارات التي رفعت باسم فلسطين انتهت إلى تعميق الانقسامات داخل الأمة، أو توظيف القضية في صراعات إقليمية، أو تقديم الولاءات الحزبية على المصالح الإسلامية العامة، بينما بقي الاحتلال مستفيدًا من تفرق المسلمين واختلال أولوياتهم.
إن الفرق بين السلفيين وخصومهم لم يكن في حب فلسطين، فحبها ونصرة أهلها أمر يجتمع عليه المسلمون، وإنما كان في طريقة التعامل مع القضية؛ فالسلفية أرادت أن تبقى فلسطين قضية الإسلام، لا قضية حزب، وقضية أمة، لا قضية تنظيم، وقضية عقيدة، لا ورقة تفاوض أو وسيلة للدعاية السياسية.
وإذا كان بعض الناس يقيس نصرة القضايا بارتفاع الأصوات وكثرة الشعارات، فإن المنهج السلفي يقيسها بصدق المواقف، وصحة المنهج، وثبات المبادئ، والعمل الذي يحقق المصالح ويدرأ المفاسد في ضوء الكتاب والسنة.
إن فلسطين أكبر من أن تختزل في خطاب حزبي، أو أن تستغل لتحقيق مكاسب تنظيمية، أو أن تتحول إلى وسيلة لتصفية الحسابات الفكرية. وستبقى، بإذن الله، قضية أمة بأسرها، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
وحين يقرأ تاريخ القضية بإنصاف، بعيدًا عن الدعاية والخصومات، سيكتشف المنصفون أن الخلاف لم يكن بين من ينصر فلسطين ومن يخذلها، وإنما بين من أراد لها أن تبقى قضية الإسلام، ومن أراد أن يجعلها وقودًا لمشروعه الخاص.
