فلسطين بين أنياب الشيعة والصهاينة
كيف التقت مشاريع الاحتلال والنفوذ على حساب الأرض والمقدسات
د. محمد ألطاف صديقي
ليست أخطر المآسي أن يتعدد أعداء فلسطين، بل أن تتقاطع مشاريعهم -وإن اختلفت شعاراتهم- في إنتاج النتيجة ذاتها: إضعاف القضية الفلسطينية، واستنزاف الأمة، وإبعاد القدس عن مركز الصراع الحقيقي.
فالمشروع اليهودي لم يخف يومًا أهدافه. فمنذ المؤتمر الصهيوني الأول، ثم وعد بلفور، فالنكبة، وصولًا إلى مشاريع الاستيطان وتهويد القدس، وهو يعمل على هدف واحد: تثبيت الاحتلال، وطمس الهوية العربية والإسلامية لفلسطين، وفرض أمر واقع يجعل استعادة الحقوق أكثر صعوبة مع مرور الزمن.
لكن المأساة لم تعد تقتصر على الاحتلال وحده.
فعلى الضفة الأخرى، رفع المشروع الصفوي الإيراني منذ عام 1979 شعار «تحرير القدس»، وجعل فلسطين عنوانًا دائمًا في خطابه السياسي والإعلامي. غير أن حصيلة العقود الماضية تطرح سؤالًا مشروعًا: لماذا تمدد النفوذ الإيراني في عدد من العواصم العربية، بينما بقي كيان الاحتلال أكثر أمنًا واستقرارًا من أي وقت مضى؟
لقد شهدت المنطقة حروبًا مدمرة في العراق وسوريا واليمن ولبنان، واستنزفت طاقات الأمة في صراعات داخلية، وسقط مئات الآلاف من الضحايا، بينما بقيت فلسطين في كثير من الأحيان خارج أولويات تلك المعارك. وهكذا تحولت القضية الفلسطينية، عند بعض القوى الإقليمية، من مشروع تحرير إلى ورقة نفوذ تستثمر في تحسين المواقع السياسية، وكسب الشرعية الشعبية، وتعزيز أوراق التفاوض.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى.
إسرائيل تريد أمةً ممزقة لا تستطيع توحيد جهودها لتحرير فلسطين، وأي مشروع يساهم في تعميق الانقسامات والصراعات الداخلية ــ مهما كانت شعاراته ــ يحقق للاحتلال مكسبًا استراتيجيًا لا يستطيع إنكاره أحد.
فالاحتلال يستفيد من انشغال المنطقة بحروبها، ويواصل توسيع مستوطناته، وتهويد القدس، وفرض وقائع جديدة على الأرض، بينما تتجه أنظار الملايين إلى ميادين أخرى لا تقل دموية، لكنها أبعد ما تكون عن تحرير فلسطين.
ولذلك لم يكن غريبًا أن تغيب القضية الفلسطينية عن كثير من المفاوضات الإقليمية والدولية التي تناولت مستقبل المنطقة، وأن تتقدم ملفات النفوذ، والبرنامج النووي، والعقوبات، والطاقة، والممرات البحرية، على ملف إنهاء الاحتلال. فحين تتحول فلسطين إلى أداة في صراع المحاور، فإنها تفقد مكانتها بوصفها القضية الجامعة للأمة.
إن القضية الفلسطينية أكبر من أن تختزل في خطاب إعلامي، وأشرف من أن تستخدم وسيلةً لتوسيع النفوذ أو تحسين شروط التفاوض. فالقدس لا تحتاج إلى من يرفع اسمها في الشعارات، بقدر حاجتها إلى مشروع صادق يجعل تحريرها غايةً لا وسيلة، ومقصدًا لا أداة.
لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال لا يعيش بقوته وحدها، بل يعيش أيضًا على انقسام خصومه، وتنازعهم، واستنزافهم في معارك جانبية. ومن هنا، فإن أخطر ما تواجهه فلسطين اليوم ليس الاحتلال وحده، بل كل مشروع يبعد بوصلة الأمة عن القدس، ويحول طاقاتها من مواجهة المحتل إلى صراعات داخلية لا تنتهي.
ستبقى فلسطين قضية حق وعدل، وستبقى القدس أمانة في أعناق الأمة كلها. أما الشعارات التي لا تتحول إلى مواقف، والمزايدات التي لا تترجم إلى مشاريع تحرير، فلن تزيد القضية إلا غيابًا، ولن تمنح الاحتلال إلا مزيدًا من الوقت ليواصل فرض وقائعه على الأرض.
