فلسطين في دفاتر الرحالة المسلمين… ماذا رأوا؟
د. خالد بن عبد الرحمن الحمود
ليست كتب الرحلات مجرد مذكرات عابرة دونها مسافرون في طريقهم، بل هي وثائق حضارية حية، نقلت للأمة صورة فلسطين كما رآها العلماء والجغرافيون والرحالة قبل أن تمتد إليها يد الاحتلال الحديث بالتزوير والطمس وتغيير الأسماء والمعالم.
لقد رأى الرحالة المسلمون فلسطين أرضًا عامرة بالإسلام: مساجد، ومدارس، وأوقافًا، وأسواقًا، وحلقات علم، ووجوهًا عربية، ولسانًا إسلاميًا حاضرًا في العمران والعبادة والحياة اليومية.
ومن أقدم من وصفها المقدسي البشاري، وهو من أبناء بيت المقدس، في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. فقد تحدث عن القدس والرملة وغزة ونابلس والخليل، ووصف عمرانها، وأسواقها، وأهلها، ومكانتها العلمية والدينية، حتى بدا وصفه شهادة داخلية من ابن يعرف الأرض لا من زائر عابر.
ثم جاء ناصر خسروا في القرن الخامس الهجري، فزار القدس سنة 438هـ، ووصف المسجد الأقصى وقبة الصخرة وصفًا دقيقًا، وتحدث عن أبواب المدينة، ومياهها، وأسواقها، وكثرة عمارها وزوارها. وفي كلامه تظهر القدس مدينةً إسلامية نابضة بالحياة، لا أطلالًا مهجورة ولا أرضًا بلا أصحاب.
أما ابن بطوطة، فقد زار فلسطين في القرن الثامن الهجري، وذكر القدس والخليل، وتحدث عن المسجد الأقصى ومكانته، وعن الحرم الإبراهيمي وما حوله، فرسم صورة لأرض يتداخل فيها شرف المكان مع حضور العبادة والعلم والزيارة.
وتلتقي شهادات هؤلاء الرحالة، على اختلاف بلدانهم وعصورهم، عند حقيقة كبرى: أن فلسطين كانت عربية اللسان، إسلامية المعالم، سنية الهوية والهوى، عامرة بالمساجد والمدارس والأوقاف. ولم تظهر في أوصافهم فلسطين كما يريدها المزورون اليوم: أرضًا مقطوعة عن أمتها، أو جغرافيا بلا ذاكرة، أو مدينة بلا تاريخ إسلامي.
وتزداد قيمة هذه الشهادات لأنها لم تكتب في سياق دعاية سياسية معاصرة، بل دونها رجال رحلوا، وشاهدوا، ووصفوا ما رأوه بأعينهم. ولذلك فهي تقف اليوم كوثائق هادئة لكنها حاسمة في وجه كل محاولة لسرقة التاريخ أو إعادة رسم الذاكرة.
إن دفاتر الرحالة المسلمين لم تحفظ وصف الطرق والأسواق والمياه والأسوار فقط، بل حفظت هوية فلسطين؛ حفظت القدس وهي مدينة الإسلام، والرملة وهي حاضرة العمران، وغزة وهي بوابة الشام، والخليل وهي ذاكرة النبوة، ونابلس وهي شاهد الجبل والوادي والإنسان.
واليوم، حين يحاول الاحتلال تغيير الأسماء، وطمس المعالم، واختراع رواية بديلة، تعود تلك الرحلات لتقول للأجيال: إن فلسطين لم تكن مجهولة الهوية، بل كانت حاضرة في وجدان الأمة وكتبها وخرائطها وأسفارها.
فإذا كانت الجيوش تحرس الحدود، فإن كتب الرحلات تحرس الذاكرة؛ ومن حفظ ذاكرته، حفظ هويته، ومن حفظ هويته، لم يستطع المحتل أن ينتزع حقه مهما طال الزمان.
