الاحتلال يخشى العلماء أكثر من أصحاب الشعارات

د. عبد الله بن راشد السبيعي

ليست أخطر معارك فلسطين تلك التي تُخاض على حدودها، بل تلك التي تُخاض في عقول أبنائها وضمائر أمتها. فالاحتلال الصهيوني يدرك منذ نشأته أن الأرض لا يحرسها السلاح وحده، وإنما يحرسها الإيمان، وأن الأمة التي تمتلك عقيدةً راسخة، وعلماء ربانيين، لا يمكن أن تستسلم، وإن طال عليها البلاء.

ولهذا لم يكن استهداف العلماء في تاريخ الاحتلال حادثًا عابرًا، بل كان جزءًا من استراتيجيته. فالاحتلال يستطيع أن يواجه بندقية، لكنه يعجز عن مواجهة فكرةٍ صحيحة، ويستطيع أن يهدم بيتًا، لكنه يعجز عن هدم عقيدةٍ استقرت في القلوب، ويستطيع أن يقتل مجاهدًا، لكنه يخشى العالم الذي يصنع أجيالًا من المجاهدين.

إن صاحب الشعار قد يملأ الساحات ساعات، أما العالم الرباني فيملأ العقول عقودًا. وصاحب الحماسة قد يحرك الجماهير بموقف عاطفي، أما العالم فيبني ميزانًا يزن به الناس الأحداث، فلا يخدعهم الإعلام، ولا تستدرجهم الشعارات، ولا تفرقهم الأحزاب.

ولهذا كان الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، أول من واجه الطغاة؛ لأنهم كانوا يبنون الإنسان قبل أن يغيروا الواقع. وما أقام النبي ﷺ دولة الإسلام في المدينة النبوية إلا بعد ثلاثة عشر عامًا من التربية والتعليم وتصحيح العقيدة. وهكذا جرت سنة الله في كل نهضة صادقة؛ فقبل أن تتحرر الأرض، يتحرر الإنسان من الشرك، والجهل، والبدعة، والخوف، والتبعية.

ومن هنا نفهم لماذا حرص علماء أهل السنة والجماعة، وفي مقدمتهم علماء الدعوة السلفية، على ربط القضية الفلسطينية بأصولها الشرعية، وعدم اختزالها في ردود الأفعال أو الشعارات الموسمية. فقد كانوا يرون أن تحرير القدس ليس معركة حدود فحسب، بل معركة عقيدة، وهوية، ووحدة، وإعداد طويل النفس.

ولذلك جاءت فتاوى كبار العلماء، كالإمام عبد العزيز بن باز، والإمام محمد ناصر الدين الألباني، والإمام محمد بن صالح العثيمين، مؤكدةً ثلاثة أصول لا تنفك عن القضية الفلسطينية:

أن الاحتلال الصهيوني احتلال غاصب يجب رفضه.

وأن نصرة المسلمين في فلسطين واجب بحسب الاستطاعة.

وأن النصر لا يتحقق إلا إذا عادت الأمة إلى ربها، واجتمعت على كتابه وسنة نبيه ﷺ.

وهذا الخطاب لم يكن يروق لأصحاب المشاريع الحزبية؛ لأن العالم الرباني لا يسمح بأن تتحول فلسطين إلى وسيلة لتجنيد الأتباع، أو إلى جسر تعبر عليه الأيديولوجيات المستوردة، أو إلى شعار يعلو على التوحيد والسنة. ولذلك كان العلماء يحذرون من استغلال القضية لخدمة القومية، أو اليسارية، أو العلمانية، أو المشروع الرافضي؛ لأنهم كانوا يعلمون أن اختطاف هوية القضية أخطر من احتلال جزء من أرضها.

لقد أثبت التاريخ أن الاحتلال لا يخشى الضجيج بقدر ما يخشى الوعي. فالضجيج ينتهي بانتهاء المناسبة، أما الوعي فيبقى جيلًا بعد جيل. والشعارات قد تملأ الشوارع، لكنها لا تبني أمة، بينما كلمة العالم الصادق قد تغيّر مسار أمة بأكملها.

ولذلك لم يكن من المصادفة أن يكون أول ما يستهدفه المحتلون في كثير من البلاد: المدارس، والمعاهد الشرعية، والمناهج، والعلماء؛ لأنهم يعلمون أن الأمة إذا فقدت مرجعيتها العلمية، أصبح توجيهها أسهل، واختراقها أيسر، وتزييف وعيها أسرع.

إن تحرير فلسطين لن يكون بالسلاح وحده، كما أنه لن يكون بالخطب الحماسية وحدها، وإنما يبدأ ببناء الإنسان الذي يحمل السلاح بعقيدة، ويخوض المعركة ببصيرة، ويثبت أمام الفتن قبل أن يثبت أمام الرصاص.

ولهذا؛ فإن نصرة العلماء الربانيين، والالتفاف حولهم، ونشر علمهم، ليست قضيةً تخص طلبة العلم وحدهم، بل هي جزء من مشروع تحرير فلسطين؛ لأن العالم الصادق لا يصنع مقاتلًا فحسب، بل يصنع أمة تعرف لماذا تقاتل، ومتى تقاتل، وكيف تنتصر.

ولعل هذه هي الحقيقة التي يخشاها الاحتلال أكثر من أي شيء آخر؛ فهو لا يخاف من الأصوات المرتفعة بقدر ما يخاف من العقول المستنيرة، ولا يخشى كثرة الشعارات بقدر ما يخشى أمةً يقودها علماء ربانيون، يربطونها بالوحي، ويجمعون كلمتها على الحق، ويصنعون منها جيلًا لا يبيع دينه، ولا يفرط في مقدساته، حتى يكتب الله لها وعده الحق بالنصر والتمكين.

موضوعات ذات صلة