طالوت قبل جالوت: لماذا يسبق بناء الرجال مواجهة الاحتلال؟

د. الطيب إدريس الرشيدي

حين يتحدث الناس عن تحرير فلسطين، تتجه الأنظار غالبًا إلى المعارك والجيوش وموازين القوى، لكن القرآن الكريم يلفت أنظارنا إلى حقيقة أعمق وأخطر: أن معركة التحرير لا تبدأ بمواجهة جالوت، بل تبدأ بصناعة طالوت.

لقد قص الله علينا قصة بني إسرائيل في سورة البقرة لا بوصفها حدثًا تاريخيًا فحسب، بل باعتبارها سنة من سنن التغيير والتمكين. فقبل أن تقع المواجهة الكبرى مع جالوت، وقبل أن يكتب النصر لداود عليه السلام، كانت هناك مرحلة طويلة من الإعداد والتربية والاختبار وبناء القيادة. وكأن القرآن يريد أن يعلم الأمة أن النصر لا يولد في ساحات القتال، بل يصنع أولًا في مدارس التربية ومجالس العلم ومحاضن الإيمان.

لقد طلب بنو إسرائيل قائدًا يقودهم لاسترداد أرضهم، فلما اختار الله لهم طالوت اعترضوا على هذا الاختيار؛ لأنهم نظروا إلى المال والنسب، بينما نظر الوحي إلى الكفاءة والأهلية. قال تعالى: ﴿إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطةً في العلم والجسم﴾.

وهنا يظهر أول درس في طريق التحرير: أن الأمم لا تنتصر بالمجاملات ولا بالمحسوبيات، وإنما تنتصر حين تضع الرجل المناسب في المكان المناسب. فالقائد الحق ليس من يجيد إطلاق الشعارات، ولا من يملك المال أو الشهرة، بل من يجمع بين العلم والبصيرة والأمانة والقدرة على تحمل المسؤولية.

ثم جاءت مرحلة الاختبار. فلم يتجه طالوت مباشرة إلى المعركة، بل امتحن جنوده عند النهر، فكان اختبارًا بسيطًا في ظاهره، عظيمًا في نتائجه. وهناك انكشف الفرق بين من يقودهم الإيمان ومن تقودهم الشهوة. ولم يبق مع طالوت إلا الصفوة القادرة على الصبر والثبات.

وهذا هو الدرس الثاني الذي تحتاجه فلسطين اليوم: أن طريق التحرير لا يبنيه المتحمسون لحظةً ثم المنصرفون غدًا، بل يصنعه أصحاب العزائم الطويلة. فالمشروعات الكبرى تحتاج رجالًا يقدمون الواجب على الرغبة، والمبدأ على المصلحة، والصبر على الراحة. ولهذا كانت التربية قبل المواجهة، والتزكية قبل التمكين، وبناء الرجال قبل بناء المؤسسات.

وعندما رأى بعضهم كثرة جالوت وجنوده، دب الخوف في نفوسهم، لكن أهل الإيمان واليقين قالوا: ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله﴾. لقد نظروا إلى قوة الله قبل قوة العدو، وإلى سنن النصر قبل حسابات الأرقام. فكان يقينهم أعظم من خوفهم، وثباتهم أقوى من رهبتهم.

وهنا تبرز رسالة القصة إلى واقع فلسطين المعاصر. فالاحتلال لا يحارب الأرض وحدها، بل يحارب الإنسان الذي سيحرر الأرض. ولذلك يستهدف الأسرة، ويفسد الأخلاق، وينشر المخدرات، ويغرق الشباب في التفاهة واللهو، ويسعى إلى إضعاف دور المسجد، وتشويه القدوات، وصناعة جيل منشغل بنفسه بعيد عن قضيته.

إن الاحتلال يدرك أن الشاب المؤمن الواعي أخطر عليه من كثير من الأسلحة؛ لأن السلاح يمكن تدميره، أما الفكرة فلا تقصف، والإيمان لا يحاصر، والوعي لا يعتقل. ولذلك فإن معركة بناء الجيل ليست معركة جانبية، بل هي قلب مشروع التحرير وروحه.

ومن هنا تبدأ المسؤولية الحقيقية: من الأسرة التي تغرس العقيدة الصحيحة والمنهج السني الصافي والعزة الايمانية في نفوس أبنائها، ومن المسجد الذي يربي على التوحيد والسنة، ومن المدرسة التي تجمع بين العلم والهوية، ومن العلماء والمربين الذين يصنعون الرجال قبل أن يتحدثوا عن صناعة الانتصارات.

لقد انتصر داود على جالوت في نهاية القصة، لكن ذلك النصر لم يكن وليد لحظة عابرة، بل ثمرة مسار طويل بدأ باختيار القائد الصالح، ثم بفرز الصفوف، ثم بتربية جيل يعرف معنى الطاعة والصبر والثبات.

وهكذا تعلمنا سورة البقرة أن الطريق إلى جالوت يمر أولًا عبر طالوت، وأن معركة التحرير تبدأ من بناء الإنسان قبل مواجهة المحتل.

فإذا صنع الرجال، زال الاحتلال، وإذا صلح الجيل، اقترب الوعد، وإذا عادت الأمة إلى منهج القرآن والسنة بفهم سلفها الصالح، فأسباب النصر تعود إليها بإذن الله.

إن أعظم سؤال ينبغي أن تطرحه الأمة اليوم ليس: كيف نهزم جالوت؟ بل: كيف نصنع طالوت؟ فهناك يبدأ التحرير، وهناك يكتب المستقبل.

موضوعات ذات صلة