كيف نجح الاحتلال في نقل المعركة من تحرير الأرض إلى إدارة الأزمة؟
الدكتور محمد فاروق الحق الباكستاني
لم يكن أخطر ما فعله الاحتلال الصهيوني أنه استولى على الأرض، أو هدم البيوت، أو هجّر الملايين؛ بل أخطر ما فعله أنه نجح – تدريجيًا – في إعادة تشكيل وعي المنطقة تجاه فلسطين، حتى تحولت القضية في نظر كثيرين من قضية تحرير واحتلال وهوية وأمة إلى مجرد «أزمة إنسانية» تحتاج إلى مساعدات، وهدنة، وبعض التحسينات المعيشية.
وهنا تقع الكارثة الحقيقية:
حين يتحول الاحتلال من قضية يجب إنهاؤها… إلى واقع يراد تحسين شروط التعايش معه.
لقد احتلّ الوعي قبل أن تحتل الأرض.
من فلسطين التحرير… إلى فلسطين الإغاثة:
في العقود الماضية، كانت فلسطين تطرح في وجدان الأمة باعتبارها:
– أرضًا محتلة،
– ومقدسات مغتصبة،
– وشعبًا يقاوم استعمارًا استيطانيًا،
– ومعركةً تتعلق بعزة الأمة ومستقبلها.
أما اليوم، فقد تغيّر الخطاب بصورة خطيرة.
صار العالم يتحدث عن:
– عدد شاحنات المساعدات،
– ساعات الكهرباء في غزة،
– مساحة الصيد،
– إعادة الإعمار،
– التهدئة المؤقتة،
– الرواتب والمعابر.
لا أحد ينكر أهمية هذه الاحتياجات الإنسانية، لكن الخطير أن تتحول إلى بديل عن أصل القضية.
فالاحتلال يريد للفلسطيني أن ينشغل بالبقاء حيًا… لا أن يفكر في التحرير.
كيف صنعت هذه المعادلة؟
لقد أدرك الاحتلال مبكرًا أن البندقية وحدها لا تكفي، فخاض معركة أخرى أشد خطرًا: معركة المصطلحات والوعي.
فأعاد تعريف كل شيء:
– المقاوم أصبح «إرهابيًا»،
– والاحتلال صار «نزاعًا»،
– والاستيطان «أحياء سكنية»،
– والتهجير «إجراءات أمنية»،
– والقدس «مدينة متنازع عليها».
ومع الزمن، بدأت أخطر مراحل الاختراق:
لم يعد السؤال: «كيف نحرر فلسطين؟»
بل أصبح: «كيف ندير الأزمة بأقل الخسائر؟»
وهكذا انتقل العقل العربي – في كثير من الأحيان – من مشروع التحرير إلى مشروع إدارة المعاناة.
أوسلو… اللحظة التي تغيّر فيها المسار:
شكّلت اتفاقية أوسلو نقطة تحول خطيرة في بنية الوعي السياسي.
فبدل أن يكون الاحتلال هو المشكلة، أصبح «التعايش معه» هو الحل المطروح.
وبدل الحديث عن التحرير الكامل، أصبح السقف:
– سلطة محدودة،
– معابر،
– تنسيق أمني،
– ومفاوضات لا تنتهي.
وفي الوقت الذي كان العالم يتحدث فيه عن «عملية السلام»، كانت الجرافات الصهيونية تبتلع الضفة الغربية، وتتضاعف المستوطنات، وتحاصر القدس، ويعاد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا بالقوة.
لقد كان «السلام» في كثير من مراحله:
غطاءً ناعمًا لتثبيت الاحتلال، لا لإنهائه.
الاحتلال لا يريد سلامًا… بل فلسطينيًا منزوع الإرادة:
المشروع الصهيوني لا يبحث عن سلام حقيقي قائم على العدالة، بل عن فلسطيني:
– بلا ذاكرة،
– بلا سيادة،
– بلا مقاومة،
– بلا حق عودة،
– وبلا ارتباط عميق بالأقصى.
يريده مجرد إنسان ينتظر:
– المساعدات،
– تصاريح العمل،
– المنح الدولية،
– وهدنة جديدة.
ولهذا، كلما هدأت الجبهات، تمدد الاستيطان.
وكلما ارتفعت شعارات «السلام»، ازداد تهويد القدس وقضم الأرض.
إنهم لا يريدون إنهاء الصراع… بل إدارة شعب تحت السيطرة الدائمة.
أخطر خسارة: تحويل القضية من عقيدة إلى ملف:
حين تختزل فلسطين في الجانب الإنساني فقط، تخسر الأمة أعظم ما تملك:
– البوصلة،
– والهوية،
– والمعنى.
فلسطين ليست ملفًا إغاثيًا، بل قضية:
– عقيدة،
– وتاريخ،
– وكرامة،
– ومستقبل أمة.
ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار﴾ [هود: 113].
فالركون إلى الاحتلال نفسيًا وفكريًا أخطر من الهزيمة العسكرية نفسها.
استعادة الوعي… بداية التحرير:
إن تحرير فلسطين لا يبدأ من الحدود فقط، بل يبدأ من العقل.
من استعادة المفاهيم الصحيحة، وإعادة تعريف القضية كما هي:
ليست أزمة معيشية… بل احتلال يجب أن يزول.
وأخطر انتصار حققه الاحتلال أنه جعل بعض الناس يطالبون بـ«تحسين الحياة تحت الاحتلال» بدل إنهائه.
لكن التاريخ يعلمنا أن الشعوب التي تستعيد وعيها لا تموت، وأن القضايا العادلة قد تتأخر… لكنها لا تسقط.
ستبقى فلسطين قضية أمة، لا ملفًا إنسانيًا.
وستبقى القدس عنوان الصراع الحقيقي، مهما حاولوا تحويلها إلى بند تفاوضي عابر.
فالتحرير يبدأ حين تدرك الأمة أن إدارة الأزمة ليست حلًا… بل الوجه الناعم للهزيمة.
