تجار القضية: كيف استثمرت الفصائل والأحزاب في دم الفلسطينيين؟
بقلم: الدكتور يوسف الجعبري
ليست أخطر المآسي أن تحتل الأوطان، بل أن تتحول آلامها إلى تجارة، وأن يصبح دم الشهداء مادةً للاستثمار السياسي، وخطبًا موسمية ترفع عند الحاجة وتطفأ عند تغير المصالح.
وفلسطين – منذ نكبة 1948 – لم تكن ضحية المشروع الصهيوني وحده، بل وقعت أيضًا بين أيدي أنظمة وأحزاب وفصائل رفعت شعارها عاليًا، بينما كانت – في كثير من الأحيان – توظفها لتثبيت سلطان، أو توسيع نفوذ، أو صناعة بطولة إعلامية زائفة.
لقد أدركت أنظمة عربية قومية وبعثية ويسارية مبكرًا أن فلسطين تملك قدرة هائلة على تحريك الشارع العربي والإسلامي؛ فتحولت القضية عند بعضهم من «أمانة تحرير» إلى «أداة إدارة جماهير».
كلما اشتدت الأزمات الداخلية، ارتفعت نبرة الخطاب عن القدس، وكلما اقتربت المصالح الدولية، خفتت الأصوات فجأة، وكأن فلسطين ملف يفتح ويغلق وفق جدول المصالح لا وفق نزيف الدم.
بعد هزيمة 1967، دخلت شعارات «التحرير الكامل» مرحلة المزايدات السياسية، بينما كانت الوقائع على الأرض تسير في اتجاه آخر. ثم جاءت اتفاقية أوسلو عام 1993 لتكشف حجم التحول العميق في بنية الخطاب الفلسطيني والعربي؛ إذ انتقلت القضية من مشروع تحرير شامل إلى مشروع «إدارة نزاع»، ومن مقاومة الاحتلال إلى التعايش مع شروطه الأمنية والاقتصادية.
ومنذ ذلك الحين، بدأت طبقة سياسية كاملة تعيش على «استمرار القضية» لا على حلها.
ظهرت مؤسسات، ومؤتمرات، ومنظمات، وميزانيات ضخمة تصرف باسم فلسطين، بينما بقي اللاجئ في المخيم، والأسير في الزنزانة، والقدس تحت التهويد.
ولم يكن المشهد الحزبي أفضل حالًا.
فبعض الفصائل العربية والفلسطينية ربطت قرارها السياسي بمحاور إقليمية، حتى أصبحت القضية أحيانًا جزءًا من صراع النفوذ بين العواصم، لا مشروعًا مستقلًا لتحرير الأرض.
فهذا يرفع فلسطين ليبتز بها خصومه، وذاك يفاوض باسمها لتحسين موقعه السياسي، وآخر يجعلها منصةً للدعاية الأيديولوجية.
وفي كل مرة، كان الفلسطيني البسيط هو الخاسر الوحيد.
الأم التي تنتظر ابنها تحت الركام لا يعنيها صراع المحاور.
والطفل الذي ينام جائعًا في غزة لا تعنيه خطابات المؤتمرات.
والمرابط في القدس لا يهمه عدد البيانات ولا صور المصافحات السياسية.
هو يريد فقط من لا يبيع قضيته في أسواق المصالح.
لقد نجح الاحتلال طويلًا لأنه وجد بيئة عربية وفلسطينية منقسمة، تقدم الولاءات الحزبية على المصلحة العامة، والشعارات الإعلامية على مشاريع التحرير الحقيقية.
ولذلك لم تعد إسرائيل تخشى الخطب بقدر ما تخشى وعي الشعوب؛ لأنها تدرك أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يكتشف الناس الفرق بين «نصرة فلسطين» و«المتاجرة بفلسطين».
إن القضية الفلسطينية أكبر من الأحزاب، وأشرف من كل الفصائل، وأقدس من أن تتحول إلى بطاقة عبور نحو السلطة أو النفوذ.
ففلسطين لم تكن يومًا مشروعًا انتخابيًا، ولا ورقة مساومة دبلوماسية، بل كانت – وستبقى – قضية أمة، كتب تاريخها بالدم، وحفرت حقيقتها في ذاكرة الأجيال.
وحين يسقط تجار القضية، وتنكشف الأقنعة، سيبقى الفلسطيني المسلم السني الذي يحمل وطنه في ذاكرته، لا في شعاره… هو وحده صاحب الحق الحقيقي في تمثيل فلسطين.
