الجيل المؤمن الواعي الذي يخشاه الاحتلال: مواصفاته ومعالم بنائه

بقلم: د. ياسين بوعلام

ليست أكثر ما تخشاه قوى الاحتلال دبابةً جديدة، ولا سلاحًا أكثر تطورًا، بل إن أخطر ما يرعبها حقًا هو ولادة جيل مؤمن واع؛ جيل لا يشترى بالمال، ولا يخدع بالشعارات، ولا يهزم من الداخل.

فالاحتلال يدرك أن المعركة الحقيقية ليست فقط على الأرض، بل على الإنسان الذي يحمل قضية الأرض، وأن أخطر ما يمكن أن يولد في فلسطين ليس تنظيمًا جديدًا، بل عقل حرّ وقلب ثابت وعقيدة صافية.

ولهذا لم يعمل المشروع الصهيوني على احتلال الأرض وحدها، بل سعى إلى احتلال الوعي، وتفكيك الهوية، وإفساد الأخلاق، وإغراق الشباب في اللهو والانقسام واليأس، حتى يصبح الجيل فاقدًا للبوصلة، سهل الاختراق، ضعيف المناعة أمام مشاريع الإفساد والتطبيع والتبعية.

أولًا: لماذا يخشى الاحتلال هذا الجيل؟

لأن الجيل المؤمن الواعي لا يمكن قيادته بالخوف أو تضليله بالدعاية.

إنه جيل يعرف أن الصراع مع الاحتلال ليس مجرد نزاع حدود، بل صراع عقيدة وهوية ووجود.

جيل يفهم قول الله تعالى: ﴿وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة﴾، فيدرك أن أعظم القوة تبدأ ببناء الإنسان المؤمن قبل بناء السلاح.

ولذلك، فإن الاحتلال يخشى الشاب الذي يجمع بين التوحيد والوعي وبين الإيمان والبصيرة، أكثر مما يخشى الغاضب المنفعل؛ لأن الأول مشروع نهضة، أما الثاني فغالبًا ما تحركه اللحظة ثم تستهلكه الفوضى.

ثانيًا: ما مواصفات الجيل الذي تخشاه إسرائيل؟

1- عقيدة التوحيد الصافية والمنهج السلفي الواضح:

هو جيل يتربى على الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة، لا على الشعارات الحزبية ولا المشاريع الطائفية.

يعرف أن النصر من عند الله، وأن الانحراف عن التوحيد سبب للهزيمة قبل أن يكون خطأ فكريًا.

ولهذا كان السلف يربطون بين صلاح القلوب وظهور التمكين، قال تعالى: ﴿إن تنصروا اللّه ينصركم ويثبت أقدامكم﴾.

2-الوعي والبصيرة:

الاحتلال لا يخشى الجاهل الغاضب بقدر ما يخشى الواعي الذي يحسن قراءة الواقع.

ولهذا يغرق المجتمعات بالتفاهة، ويزرع الانقسام، ويروّج للطائفية والانحلال، حتى ينشغل الجيل عن قضيته الكبرى.

أما الجيل الواعي، فهو الذي:

– يميز بين الحق والدعاية،

– ويعرف أعداءه الحقيقيين،

– ولا يسمح لأحد أن يختطف القضية لمصلحة حزب أو مشروع خارجي.

3-المناعة الأخلاقية:

يدرك الاحتلال أن إسقاط الشباب أخلاقيًا أخطر من قتلهم عسكريًا.

ولهذا تنتشر المخدرات، والانحلال، والابتزاز الإلكتروني، ومحاولات تجنيد الشباب عبر الحاجة أو الشهوة أو الخوف.

أما الجيل المؤمن، فهو جيل يحفظ نفسه، ويعلم أن الطهارة والعفة والثبات جزء من معركة التحرير، وأن الأمة التي تنهار أخلاقها يسهل احتلالها من الداخل.

4-الثبات وعدم اليأس:

قال النبي ﷺ: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها».

فلما سئل عن سبب الضعف قال: «ولكنكم غثاء كغثاء السيل… ولينزعنّ الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن».

والوهن كما فسره ﷺ: «حب الدنيا وكراهية الموت».

ولهذا، فإن الجيل الرباني لا يهزم نفسيًا، لأنه يعلم أن الاحتلال مهما طال فإلى زوال، وأن سنن الله لا تحابي أحدًا.

ثالثًا: كيف يبنى هذا الجيل؟

يبدأ البناء من:

– أسرة تربي على العزة والإيمان،

– ومسجد يحيي العقيدة والوعي،

– ومدرسة تربط العلم بالهوية،

– وإعلام يحفظ العقول بدل تخديرها.

كما يحتاج إلى قدوات صادقة، تربي الشباب على الصبر والعلم والعمل، لا على الفوضى والانفعال.

إن المعركة الكبرى اليوم ليست فقط: من يملك السلاح؟

بل: من يملك الإنسان الذي لا يشترى، ولا يخترق، ولا ينهزم من الداخل؟

ولهذا، فإن الجيل الذي يخشاه الاحتلال حقًا هو جيل القرآن والسنة، جيل العقيدة والبصيرة، جيل يعرف أن تحرير فلسطين يبدأ أولًا بتحرير الإنسان من الجهل والهوى والخوف.

فالعقل الحرّ أصعب احتلالًا من الأرض… والجيل الرباني إذا قام، اقترب موعد التحرير.

موضوعات ذات صلة