معركة ما بعد الحرب: من سيملأ الفراغ الديني في غزة؟
د. ياسين الآغا
قد تصمت المدافع يومًا، ولكن معركة أخرى ستبدأ في غزة؛ معركة لا تسمع فيها أصوات الطائرات، ولا تظهر آثارها سريعًا في صور الأقمار الصناعية، لكنها قد تكون أبعد أثرًا في مستقبل فلسطين: معركة الإنسان، والعقيدة، والأخلاق.
فالحروب لا تهدم البيوت والمساجد والمدارس فحسب؛ بل تخلخل الأسرة، وتضعف المؤسسات التعليمية والدعوية، وتزيد اليتم والفقر والنزوح، وتترك وراءها جيلًا مثقلًا بالفقد والصدمة والأسئلة. وفي مثل هذا المناخ ينشأ الفراغ، وكل فراغ لا يملؤه أهل الحق قد تتنافس على ملئه مشاريع أخرى.
وغزة ليست أرضًا بلا هوية؛ فتكوينها الديني العام إسلامي سني، والمسجد والقرآن والعلم الشرعي مكونات راسخة في مجتمعها. ولذلك فإن الخوف ليس من غياب الهوية، وإنما من إضعاف المناعة التي تحميها بعد سنوات الاستنزاف والحرب.
وأول الأخطار التي تستحق التنبه: التشيع السياسي والعقدي. فحين تدخل المساعدات والأموال والمؤسسات إلى مجتمع منهك، قد تحاول بعض الجهات ربط الدعم الإنساني بالتأثير الثقافي أو المذهبي. والخطر هنا لا ينبغي تضخيمه بادعاء تحول مذهبي واسع لا تثبته الأرقام، ولكن لا يجوز كذلك إهمال احتمال استثمار النفوذ السياسي والعاطفة تجاه من قدم الدعم في صناعة قبول فكري طويل المدى. ومواجهة ذلك لا تكون بالسباب الطائفي، وإنما بتعليم العقيدة، وإحياء السنة، وبناء المؤسسات السنية القادرة على الجمع بين العلم وخدمة الناس.
والخطر الثاني ربما يكون أكثر خفاءً: الإلحاد والشك الديني.
فالطفل الذي رأى أسرته تحت الأنقاض، والشاب الذي عاش الجوع والنزوح والموت، قد تكبر معه أسئلة مؤلمة: أين الحكمة؟ لماذا وقع هذا البلاء؟ وما معنى القضاء والقدر؟ وهذه الأسئلة لا تعني أن أصحابها ملحدون؛ لكنها إذا وجدت فراغًا علميًا وتربويًا، ثم تلقفتها منصات التشكيك، فقد تتحول الصدمة النفسية إلى أزمة إيمانية.
وهنا لا يكفي الوعظ المجرد. نحن بحاجة إلى علماء ومربين يفهمون فقه الابتلاء، وحكمة الله، ومشكلة الشر، وسنن النصر والهزيمة، ويستطيعون مخاطبة الجيل بلغة تجمع بين النص الصحيح والعقل والرحمة.
أما الخطر الثالث فهو الانهيار الأخلاقي.
فالحرب الطويلة تضعف الرقابة الأسرية والاجتماعية، ويجتمع مع ذلك الفقر واليتم والبطالة والنزوح والفراغ والانفتاح الرقمي. وهذه بيئة قد تستغلها المخدرات، والمحتويات الإباحية، والعلاقات المحرمة، والابتزاز الإلكتروني، وثقافة الاستهلاك والانفلات. وليس المقصود اتهام مجتمع غزة بهذه الظواهر، وإنما التنبيه إلى أن المجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى حماية أخلاقية بقدر حاجتها إلى الحماية الأمنية والغذائية.
ومن هنا فإن إعادة إعمار غزة لا يجوز أن تعني الإسمنت والطرق والمستشفيات وحدها.
إنها تحتاج إلى إعمار الإنسان: إعادة حلقات القرآن، وتأهيل الدعاة والمعلمين، ورعاية الأيتام تربويًا وإيمانيًا، وتحصين الشباب من الشبهات والشهوات، وإعادة الاعتبار للأسرة، وإنتاج محتوى رقمي ينافس ما يصل إلى هواتف الناشئة، وفتح مساحات آمنة للشباب يسألون فيها عن العقيدة والقدر والابتلاء دون خوف أو اتهام.
إن أخطر ما قد تواجهه غزة بعد الحرب ليس تبدل الخريطة السياسية وحده، بل محاولة تبديل خريطة الإنسان من الداخل: أن يدخل التشيع من باب النفوذ، والإلحاد من باب الصدمة والسؤال، والانحلال من باب الفقر والفراغ والشاشة.
ولهذا فالسؤال المصيري ليس فقط: من سيعيد بناء غزة؟
بل: من سيعيد بناء إنسان غزة؟
فقد يعاد بناء مسجد هدمته الحرب في أشهر، ولكن إعادة يقين شاب اخترق، أو قلب طفل امتلأ بالشك، أو أسرة انهارت منظومتها الأخلاقية قد تحتاج إلى سنوات طويلة.
إن معركة غزة القادمة هي معركة العقيدة والإيمان والأخلاق؛ ومن يحفظ عقيدة الجيل وقيمه، يحفظ فلسطين من الداخل.
