العدو في ثوب الصديق… كيف يستخدم العدو شعارات السلام لخداع الأمة؟
بقلم الأستاذ ناصر العتيبي
ليس أخطر الأعداء ذلك الذي يعلن عداوته ويحمل سلاحه ويقف في الجبهة المقابلة؛ فهذا عدو تعرفه وتحذره. وإنما تشتد الخطورة حين تتغير اللغة ويبقى المشروع، ويختفي الصراع خلف مفردات السلام والتعايش والتسامح، حتى يطلب من الضحية أن تثق بعدوها قبل أن تسترد حقها.
والسلام في ذاته قيمة شرعية عظيمة، قال تعالى: ﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله﴾ [الأنفال: 61]. لكن اللافت أن الآية التالية مباشرة تقول: ﴿وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله﴾ [الأنفال: 62].
وهنا تتجلى دقة المنهج القرآني: قبول السلام لا يعني تعطيل الحذر، وحسن النية لا يعني إلغاء قراءة الواقع.
ومن هذا الميزان ينبغي أن تقرأ تجربة ما سمي بـ«عملية السلام» في فلسطين. ففي 13 سبتمبر 1993 وقعت اتفاقات أوسلو وسط احتفال عالمي كبير، وصورت بوصفها بداية الطريق إلى تسوية تاريخية. لكن العقود التالية تطرح سؤالًا لا يمكن تجاوزه: ماذا صنع السلام على الأرض؟
لم تنته قضية الاستيطان، ولم تحل قضية القدس، ولم يعد اللاجئون، ولم تقم الدولة الفلسطينية المستقلة التي علقت عليها الآمال. بل بقيت ملفات الحدود والسيادة والأمن والمستوطنات من أعقد قضايا الصراع.
اختبر السلام بالنتائج لا بالشعارات
هذه هي القاعدة التي ينبغي ألا تغيب: لا تقرأ الاتفاق من منصة التوقيع، بل اقرأه بعد سنوات في الخريطة والواقع.
فإذا كانت الأرض التي يفترض أن يقام عليها الحل السياسي تتعرض لمزيد من الوقائع الاستيطانية، وإذا بقيت القدس في قلب النزاع، واستمر النزوح والاقتلاع ودورات الحرب، فإن السؤال المشروع يصبح: هل كانت «عملية السلام» طريقًا لإنهاء الصراع، أم تحولت في مراحل منها إلى إدارة للصراع بينما تتغير حقائق الأرض؟
والقضية أقدم من أوسلو. ففي سنة 1917 صدر وعد بلفور، ثم جاءت مرحلة الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية وبناء المؤسسات السياسية والعسكرية والاقتصادية، حتى أعلنت إسرائيل سنة 1948. وهذا التسلسل يعلمنا درسًا مهمًا: المشروعات الكبرى لا تبدأ دائمًا بالدبابات؛ قد تبدأ بالوثيقة والمؤسسة والخطاب السياسي، ثم تتحول القوة المتراكمة إلى واقع.
والقرآن يضع معيارًا دقيقًا للعلاقات والعهود: ﴿فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم﴾ [التوبة: 7]. فالاستقامة تقابلها الاستقامة، والوفاء يقابله الوفاء؛ أما الاتفاق الذي يفرغ تدريجيًا من مضمونه فلا ينبغي أن يتحول إلى غطاء يمنع الأمة من رؤية ما يجري.
ولذلك فالمشكلة ليست في السلام من حيث هو سلام، ولا في التفاوض من حيث هو وسيلة سياسية، ولا في التعامل الإنساني مع اليهود أو غيرهم؛ وإنما الخطر في تحويل «السلام» إلى مخدر للوعي، بحيث يصبح الحديث عن الاحتلال والاستيطان والحقوق نوعًا من التطرف، بينما يصبح قبول الأمر الواقع هو «الاعتدال».
إن السلام الحقيقي لا يحتاج إلى محو ذاكرة الفلسطيني، ولا إلى إسكات الحديث عن أرضه وحقوقه، ولا إلى مطالبة الطرف الأضعف بالتنازل المتواصل لإثبات أنه يريد السلام.
وهنا تتجلى قاعدة «اعرف عدوك»: لا تحكم على المشاريع بما تقوله عن نفسها، بل بما تصنعه على الأرض. اقرأ الاتفاق، ثم راقب تنفيذه؛ استمع إلى خطاب السلام، ثم انظر إلى الخريطة.
فالأمة الواعية لا ترفض السلام، وإنما ترفض أن يصبح السلام اسمًا آخر للاستسلام. والسلام العادل ينهي الظلم؛ أما السلام الذي يحرس الظلم فلا يحل الصراع، وإنما يغير اسمه.
