التوحيد… أول لبنة في مشروع التحرير
بقلم: د جاسم المحمود
ليس أول طريق القدس طريقًا عسكريًا.
وليس أول خطوة في مشروع التحرير صناعة السلاح، ولا عقد التحالفات، ولا حشد الجيوش.
إن أول طريق التحرير يبدأ من مكان لا تراه الأقمار الصناعية، ولا ترصده مراكز الدراسات، ولا تُقاس نتائجه في التقارير العسكرية.
إنه يبدأ من القلب.
ومن هنا بدأ القرآن.
فلو تأملنا قصص الأنبياء جميعًا، لوجدنا سنةً ربانية لا تتخلف: ما بدأ مشروع تحرير أو تمكين إلا بعد بناء التوحيد.
فنوح عليه السلام دعا قومه قرونًا إلى عبادة الله قبل أن يأتي النصر.
وإبراهيم عليه السلام بدأ بتحطيم الأصنام في القلوب قبل أن تُحطم في المعابد.
وموسى عليه السلام لم يبدأ مواجهة فرعون ببناء جيش، وإنما بدأ بإعلان كلمة التوحيد، وتحرير بني إسرائيل من عبودية البشر قبل إخراجهم من أرض العبودية.
ثم جاء محمد صلى الله عليه وسلم، فكانت مكة مدرسةً للتوحيد، قبل أن تكون المدينة دولةً للتمكين.
إنها ليست مصادفات تاريخية، وإنما سنة ربانية ثابتة: تحرير الإنسان يسبق تحرير المكان، وتوحيد القلوب يسبق تمكين الشعوب.
ولهذا لم يقض رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة في مكة يغرس العقيدة في القلوب عبثًا، ولم يكن تأخر الإذن بالقتال عجزًا، وإنما كان إعدادًا.
فالله سبحانه يعلم أن السلاح في يد قلب لم يتربَّ على التوحيد قد يتحول إلى أداة ظلم، وأن القوة التي لا يقودها الإيمان قد تهدم أكثر مما تبني.
أما إذا امتلأ القلب بمعرفة الله وتعظيمه، فإن القوة تصبح في خدمة الحق، ويصبح الجهاد دفاعًا عن العدل، ويغدو النصر وسيلة لإقامة الخير، لا غاية للسيطرة.
ولذلك كانت دار الأرقم أول معسكر لإعداد جيل التحرير.
في ذلك البيت الصغير لم يكن الصحابة يتعلمون فنون الحرب، بل كانوا يتعلمون كيف يعبدون الله وحده، وكيف يصبرون على الأذى، وكيف يصدقون مع ربهم، وكيف يقدمون الآخرة على الدنيا.
ومن تلك المدرسة خرج بلال الذي هزم التعذيب بكلمة: أحدٌ أحد.
وخرج خباب الذي صبر حتى صار الصبر مدرسة.
وخرج مصعب بن عمير الذي ترك نعيم الدنيا، ففتح الله على يديه المدينة قبل أن يدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لقد صنعت العقيدة رجالًا، ثم صنع الرجال تاريخًا.
وهذه هي القاعدة التي يغفل عنها كثير من الناس اليوم.
فإذا ذُكر التوحيد، قال بعضهم: إن الأمة تحتاج إلى السلاح لا إلى دروس العقيدة.
وهذا تصور خاطئ؛ لأن الإسلام لا يضع التوحيد في مقابل القوة، بل يجعل التوحيد أساسًا للقوة، ويوجهها، ويحفظها من الانحراف.
فكم من قوة امتلكت السلاح فسقطت؛ لأنها فقدت المبادئ.
وكم من أمة امتلكت العدد والعدة، لكنها انهارت عندما انهارت قيمها.
إن السلاح يحمي الحدود، أما التوحيد فيحمي الإنسان الذي يحمل السلاح.
والقوة تبني الجدران، أما العقيدة فتبني الرجال الذين يحرسونها.
ولهذا كان أول ما يحرص عليه كل محتل أن يزعزع هوية الأمة، ويضعف عقيدتها، ويفسد أخلاقها، ويقطع صلتها بتاريخها ورسالتها.
لأنه يدرك أن الأمة التي تعرف ربها، وتعتز بدينها، وتثق بوعده، لا يمكن أن تستسلم طويلًا، ولو اشتد عليها البلاء.
ومن هنا فإن جيل التحرير الذي تحتاجه فلسطين ليس جيلًا يحفظ الشعارات، بل جيلًا يعرف لماذا يعيش، ولمن يعمل، وإلى أي غاية يسير.
جيلًا إذا قيل له: من أنت؟ قال: أنا عبدٌ لله قبل أن أكون ابنًا لوطن أو فردًا في جماعة.
جيلًا لا يشتري الحق بالمصلحة، ولا يبيع المبادئ تحت ضغط الخوف أو الإغراء.
جيلًا يجمع بين صفاء العقيدة، وعمق العلم، وحسن الخلق، وإتقان العمل، والأخذ بأسباب القوة.
وهذا هو الجيل الذي يصنع النصر.
وليس هذا مجرد تنظير.
فحين أراد صلاح الدين الأيوبي أن يستعيد القدس، لم يبدأ بحطين، بل بدأ بإصلاح الأمة.
أحيا العلم، وقرب العلماء، وأعاد الاعتبار للعقيدة الصحيحة، وربى الناس على معاني الجهاد والإخلاص والوحدة، ثم جاءت حطين نتيجةً لذلك البناء الطويل، لا بدايته.
وهكذا تصنع الأمم انتصاراتها.
فالنصر ليس لحظة في ميدان، بل ثمرة سنوات من التربية والإصلاح.
ولهذا فإن أعظم خدمة يمكن أن نقدمها لفلسطين اليوم ليست مجرد رفع الشعارات، بل بناء الإنسان.
أن نربي طفلًا يعرف ربه.
وأن نخرج شابًا يعتز بدينه.
وأن نبني أسرة تؤمن برسالتها.
وأن نصنع معلمًا يغرس المبادئ قبل المعلومات.
وأن نعدَّ عالمًا يوقظ العقول، وإعلاميًا يحرس الوعي، وباحثًا يخدم الحقيقة.
فهؤلاء جميعًا جنود في مشروع التحرير.
إن القدس لن تعود إلى أمة فقدت هويتها، ولن يكتب الله التمكين لجيل لم يتربَّ على الإيمان، لأن سنن الله لا تحابي أحدًا.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.
وهذه الآية ليست دعوة إلى الإصلاح الفردي فحسب، بل قانون من قوانين قيام الحضارات وسقوطها.
فحين يتغير ما في القلوب، يتغير ما على الأرض.
وحين يُبنى الإنسان على التوحيد، يُبنى المجتمع على العدل، وتُبنى الأمة على القوة، ويصبح التحرير ثمرة طبيعية لسيرها في الطريق الذي رسمه الوحي.
لذلك، فإن أول حجر في طريق القدس ليس حجرًا في سورها، بل هو التوحيد الذي يُغرس في قلب طفل مسلم.
ومن هذا القلب تبدأ الرحلة.
ومن هذا القلب يولد جيل التحرير.
ومن هذا القلب تُكتب الصفحة الأولى في طريق استعادة الأرض، لأن الأرض لا يحررها إلا رجال ونساء حرروا قلوبهم أولًا من كل عبودية إلا لله، ثم انطلقوا يحملون رسالة الحق، ويأخذون بأسباب القوة، ويوقنون أن وعد الله حق، وأن التوحيد ليس بابًا من أبواب العقيدة فحسب، بل هو أول لبنة في مشروع التحرير.
