فلسطين ومخاض المستقبل
المشرف العام
في الأزمنة العادية تُصنع الأخبار، أما في الأزمنة الاستثنائية فيُصنع التاريخ. وما يعيشه العالم اليوم ليس مجرد سلسلة من الأحداث المتفرقة، بل مخاضٌ عالمي يعيد تشكيل موازين القوة، ويرسم خرائط جديدة للمصالح والتحالفات، ويعيد طرح الأسئلة الكبرى حول العدالة والشرعية ومستقبل النظام الدولي.
وفي قلب هذا المخاض تقف فلسطين.
ليست على هامش الأحداث، بل في صميمها.
فكل تحول تشهده المنطقة، وكل أزمة تعصف بالنظام الدولي، وكل مراجعة للمواقف السياسية، تعيد القضية الفلسطينية إلى الواجهة، لتؤكد أن هذه القضية لم تكن يومًا نزاعًا حدوديًا عابرًا، ولا ملفًا يمكن إغلاقه بقرار سياسي أو اتفاق مؤقت، وإنما هي قضية حق متجذر في التاريخ، وعقيدة راسخة في وجدان الأمة، واختبار دائم لضمير الإنسانية.
لقد راهن كثيرون على أن الزمن كفيل بإطفاء جذوة فلسطين، وأن تعاقب الأجيال سيطوي صفحتها، وأن المصالح الاقتصادية والتحالفات الإقليمية ستدفعها إلى هامش المشهد. غير أن الوقائع جاءت على خلاف تلك الرهانات؛ فكل محاولة لتجاوز فلسطين أعادتها الأحداث أكثر حضورًا، وكل مشروع سعى إلى تهميشها انتهى إلى الاعتراف بأنها ما زالت العقدة التي لا يمكن تجاوزها في أي تصور لاستقرار المنطقة.
وهذه ليست مصادفة، بل هي من سنن التاريخ؛ فالحقوق قد تُغلب حينًا، لكنها لا تُلغى، والظلم قد يفرض واقعًا مؤقتًا، لكنه لا يصنع شرعية دائمة. وما بُني على القوة وحدها يظل مهددًا بزوالها، أما ما قام على الحق فإنه يبقى حيًا في ضمير الشعوب حتى وإن طال الطريق.
إن العالم اليوم يشهد تغيرًا في موازين النفوذ، وتراجعًا في قدرة طرف واحد على احتكار القرار الدولي، كما يشهد تصاعدًا غير مسبوق لتأثير الرأي العام العالمي، الذي لم تعد تستطيع الحدود ولا وسائل الإعلام التقليدية أن تحجب عنه الحقائق. وقد أسهم ذلك في كشف كثير من الروايات التي سادت لعقود، وأعاد ملايين البشر إلى النظر في حقيقة ما يجري على أرض فلسطين بعيدًا عن القوالب الجاهزة والدعاية السياسية.
غير أن هذه التحولات، على أهميتها، لا ينبغي أن تدفعنا إلى التفاؤل الساذج أو إلى اليأس القاتل. فالتاريخ يعلمنا أن التحولات الكبرى لا تؤتي ثمارها بين ليلة وضحاها، وإنما تحتاج إلى وعي يحسن قراءتها، وإرادة تحسن استثمارها، وثبات لا تزعزعه تقلبات المواقف الدولية.
ومن هنا فإن المعركة الحقيقية لم تعد معركة ميدان فحسب، بل أصبحت معركة وعي. وعي يحفظ الحقائق من التحريف، ويحمي الأجيال من النسيان، ويقدم القضية الفلسطينية بوصفها قضية عدل وحرية وكرامة، لا مجرد خبر موسمي أو ملف سياسي يخضع لتقلبات المصالح.
ولهذا فإن بناء الوعي لا يقل أهمية عن صناعة الحدث، وأن الكلمة الصادقة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من حدود الزمان والمكان. فغايتنا أن نقدم قراءة تجمع بين ثوابت الوحي، وسنن التاريخ، وحقائق الواقع، وأن نرسخ في الأذهان أن فلسطين ليست قضية جيل واحد، بل أمانة تتوارثها الأجيال حتى يأتي أمر الله.
إن العالم قد يعيد رسم خرائطه السياسية مرات عديدة، وقد تتبدل التحالفات، وتتغير موازين القوى، لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن فلسطين ستظل عنوانًا للحق، وبوصلةً للأمة، واختبارًا لضمير العالم.
فالمستقبل لا يصنعه الأقوى سلاحًا، ولا الأكثر نفوذًا، وإنما يصنعه الحق إذا وجد من يحمله، والوعي إذا وجد من يبنيه، والإيمان إذا وجد من يثبت عليه.
ولذلك، فإننا لا ننظر إلى ما يجري باعتباره نهاية مرحلة فحسب، بل بداية تاريخ جديد، ستبقى فلسطين في قلبه، كما كانت دائمًا… وكما ستكون بإذن الله.
