القدس التي لا يجلس لها مقعد
كيف أصبحت فلسطين الغائب الأكبر عن طاولات المفاوضات؟
الدكتور فهد راكان المطيري
في مشهدٍ يكاد يتكرر كل عام، تجلس القوى الكبرى والقوى الإقليمية حول طاولات التفاوض، تتبادل الخرائط والضمانات والتهديدات، وتناقش مستقبل الشرق الأوسط، وأمن الممرات البحرية، وأسعار الطاقة، والبرامج النووية، ومناطق النفوذ، وموازين القوة. لكن المتأمل في هذه الاجتماعات يكتشف حقيقةً مؤلمة: القدس ليست على الطاولة، وفلسطين لا تملك مقعدًا في الغرفة.
إنها المفارقة التي تختصر جانبًا كبيرًا من مأساة العصر.
فالقضية التي قيل عنها لعقود إنها “القضية المركزية للأمة”، والقضية التي سالت من أجلها دماء عشرات الآلاف، وتحركت باسمها الجيوش، وارتفعت لأجلها الخطب والشعارات، أصبحت اليوم غائبة عن أكثر الملفات تأثيرًا في المنطقة.
انظر إلى المفاوضات الأمريكية الإيرانية، وإلى القمم الدولية، وإلى اللقاءات الإقليمية المغلقة، وإلى مشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط؛ ستجد حديثًا مطولًا عن العقوبات، والتخصيب النووي، والميليشيات، والطاقة، والاستثمارات، والموانئ، والممرات التجارية، لكنك بالكاد تجد حديثًا جادًا عن إنهاء الاحتلال، أو تحرير القدس، أو إعادة الحقوق المغتصبة إلى أصحابها.
وليس ذلك لأن فلسطين فقدت أهميتها، بل لأن كثيرًا من القوى المتصارعة لم تعد تنظر إليها باعتبارها هدفًا يجب الوصول إليه، وإنما باعتبارها ورقة يمكن استخدامها عند الحاجة، ثم إعادتها إلى الأدراج عندما تنتهي الحاجة إليها.
لقد أصبحت فلسطين عند كثير من الساسة والحركيين أشبه بصورةٍ تُعلَّق على الجدار، لا مشروعًا يُقاتَل من أجله.
يذكرونها في الخطب، ويتغنون بها في المؤتمرات، ويستحضرونها عند مخاطبة الجماهير، لكنهم يتركونها خارج الحسابات عندما تبدأ لغة المصالح والأرباح والنفوذ.
وهنا تتجلى واحدة من أخطر حقائق المرحلة.
ففي الوقت الذي تتنافس فيه القوى الإقليمية على توسيع مناطق نفوذها، وتتنازع فيه الدول الكبرى على إدارة المنطقة، يكاد الجميع يتفق — صراحةً أو ضمنًا — على إبقاء القضية الفلسطينية في حالة انتظار دائم.
يتفاوضون على أمن المنطقة، ولا يتفاوضون على أمن الفلسطينيين.
يتناقشون حول استقرار الحدود، ولا يتناقشون حول حق الملايين من اللاجئين في العودة إلى ديارهم.
يتحدثون عن منع الحروب، بينما يغضون الطرف عن أطول احتلال عرفه العصر الحديث.
بل إن بعض القوى التي ترفع راية القدس صباح مساء لا تجعلها بندًا أساسيًا عندما تجلس إلى موائد التفاوض الحقيقية. وكأن القدس خُلقت لتكون شعارًا تعبويًا لا قضيةً تستحق أن تُدفع من أجلها الأثمان السياسية.
أما القوى الدولية، فهي تدرك أن الانقسام العربي والإسلامي، والانشغال بالصراعات الداخلية، أضعف الضغط الحقيقي على الاحتلال، وجعل كثيرًا من الحكومات تتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفًا مؤجلًا لا أزمة عاجلة.
وهكذا تحولت فلسطين من قضيةٍ كانت تقاس بها مواقف الرجال والدول، إلى ملفٍ يتراجع في سلم الأولويات كلما تقدمت المصالح.
لكن التاريخ يعلمنا أن تجاهل القضايا العادلة لا يلغيها.
لقد ظن كثيرون من قبل أن فلسطين انتهت، ثم عادت لتتصدر المشهد. وظن آخرون أن الشعوب نسيتها، فإذا بالأجيال الجديدة تعيد اكتشافها من جديد. وظن المحتل أن الزمن يعمل لصالحه، فإذا بالأحداث تثبت أن الحقوق قد تتأخر، لكنها لا تموت.
إن الخطر الحقيقي ليس في غياب القدس عن طاولات التفاوض، بل في أن يعتاد الناس هذا الغياب، وأن يصبح تغييب فلسطين أمرًا طبيعيًا في الوعي العام.
عندها فقط يحقق الاحتلال أعظم انتصاراته.
أما إذا بقيت القدس حاضرة في وجدان الأمة، وفي خطاب علمائها ومفكريها وأحرارها، فإنها ستظل أكبر من كل الموائد السياسية، وأبقى من كل التحالفات العابرة، وأقوى من كل الصفقات المؤقتة.
فالقدس التي لا يجلس لها مقعد اليوم، قد تكون غدًا القضية التي تُسقط المقاعد والطاولات معًا.
وما ضاع حق وراءه شعب يؤمن بعدالة قضيته، ويعرف أن الأوطان لا تتحرر بالمفاوضات وحدها، ولا بالشعارات المجردة، وإنما بإرادةٍ حيةٍ ترفض النسيان، وتأبى أن تتحول فلسطين من قضية أمة إلى هامش في دفاتر السياسة.
