فلسطين ليست الخاسر الأكبر – ماذا خسرت الأمة يوم احتلت فلسطين؟

د. محمد حسن الشرقاوي

حين تذكر فلسطين، تتجه الأنظار إلى البيوت المهدمة، والمخيمات المكتظة، والأسرى خلف القضبان، والشهداء الذين ارتقت أرواحهم دفاعًا عن أرضهم. ولا شك أن الشعب الفلسطيني دفع من الدماء والتضحيات ما لم يدفعه شعب آخر في العصر الحديث. لكن الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون هي أن فلسطين ليست الخاسر الأكبر في هذه المأساة؛ بل الأمة الإسلامية كلها.

نعم خسر الفلسطيني أرضه وبيته وأمنه، لكن الأمة خسرت ما هو أبعد من ذلك وأعمق أثرًا وأشد خطرًا.

لقد كان احتلال فلسطين نقطة تحول تاريخية لم تتوقف آثارها عند حدود القدس وغزة والضفة الغربية، بل امتدت إلى كل بيت مسلم، وإلى عقل كل جيل نشأ بعد النكبة، وإلى مكانة الأمة بين الأمم.

فأول ما خسرته الأمة هو جزء من هويتها العقدية. ففلسطين ليست أرضًا عادية على خارطة العالم، بل هي أرض الإسراء والمعراج، وفيها المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، وأولى القبلتين وثالث المسجدين، وحين احتلّت هذه الأرض المباركة، لم يكن ذلك مجرد احتلال جغرافي، بل كان جرحًا أصاب وجدان الأمة وعقيدتها.

لقد أدرك أعداء الأمة مبكرًا أن السيطرة على فلسطين ليست سيطرة على أرض فقط، بل سيطرة على رمز من أعظم رموز الإسلام. ولذلك لم يكن مستغربًا أن يترافق احتلال الأرض مع محاولات مستمرة لطمس مكانة الأقصى من نفوس المسلمين، حتى نشأت أجيال تعرف الكثير عن عواصم العالم، لكنها تجهل أبسط المعلومات عن القدس والمسجد الأقصى.

أما الخسارة الثانية فكانت الخسارة السياسية والاستراتيجية. فمنذ احتلال فلسطين دخل العالم الإسلامي مرحلة طويلة من التراجع والانقسام والتبعية. ولم يكن قيام الكيان الصهيوني حدثًا عابرًا، بل أصبح قاعدة متقدمة للمشروع الغربي في قلب العالم الإسلامي، ومركزًا دائمًا لإشعال الأزمات وإعادة تشكيل خرائط المنطقة بما يخدم مصالح القوى الكبرى.

ولم تتوقف الخسارة عند هذا الحد، بل دفعت الأمة ثمنًا باهظًا من وحدتها. فكم من خلافات اشتعلت، وكم من تحالفات تبدلت، وكم من مواقف تغيرت تحت تأثير هذا الملف الذي أصبح معيارًا يكشف حقيقة المواقف والولاءات.

ثم جاءت الخسارة الحضارية. ففلسطين ليست مجرد أرض مقدسة، بل هي ملتقى القارات والحضارات، وجسر يصل بين آسيا وإفريقيا، وموقع استراتيجي كان عبر التاريخ مركزًا للتأثير والتواصل. وحين فقدت الأمة سيادتها على هذا الموقع الفريد، فقدت جزءًا من قدرتها على التأثير في حركة التاريخ.

لكن ربما كانت الخسارة النفسية هي الأخطر. فاستمرار الاحتلال لعقود طويلة رسّخ في نفوس كثير من المسلمين شعورًا بالعجز، وأقنع بعضهم أن الهزيمة قدر لا يدفع، وأن المحتل قوة لا تقهر. وهنا حقق الاحتلال أخطر انتصاراته؛ إذ لم يعد يسيطر على الأرض فقط، بل بدأ يتسلل إلى العقول، محاولًا تحويل الهزيمة المؤقتة إلى ثقافة دائمة.

ومن رحم هذه الخسارة النفسية ولدت خسارة تربوية خطيرة. فقد نشأت أجيال لا تعرف فلسطين إلا من نشرات الأخبار، ولا تدرك مكانتها في الإسلام، ولا تفهم حقيقة الصراع الدائر حولها. وتحولت القضية في أذهان بعض الناس من قضية أمة إلى قضية شعب، ومن قضية عقيدة وتاريخ إلى خبر عابر بين أخبار السياسة.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

فحين يسأل بعض المسلمين اليوم: “ما علاقتنا بفلسطين؟” فإن السؤال نفسه يكشف حجم الخسارة التي أصابت الوعي الإسلامي. لأن الأمة التي كانت تعتبر جراح المسلمين جرحًا واحدًا، أصبحت تحتاج إلى من يذكّرها بأن أولى القبلتين ما زالت تحت الاحتلال.

إن الفلسطينيين دفعوا ثمنًا باهظًا من دمائهم وأموالهم وأعمارهم، لكن الأمة كلها دفعت ثمنًا من وحدتها وهيبتها ووعيها ومكانتها. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: ماذا خسرت فلسطين؟ بل: ماذا خسر المسلمون يوم احتلّت فلسطين؟

لقد خسروا جزءًا من هويتهم، وجزءًا من قوتهم، وجزءًا من ثقتهم بأنفسهم.

ولهذا فإن استعادة فلسطين ليست مجرد استعادة أرض محتلة، بل استعادة للمعنى، واستعادة للبوصلة، واستعادة لروح الأمة التي لا يمكن أن تنهض نهضة كاملة وفي قلبها جرح مفتوح اسمه فلسطين.

موضوعات ذات صلة