من سيرث فلسطين عقديًا قبل أن يرثها سياسيًا؟

د. عبد العزيز بن محمد عبد اللطيف

ليست كل وراثة للأرض وراثةً حقيقية، وليست كل سيطرة على الجغرافيا امتلاكًا للهوية. فكم من أمم دخلت أرضًا ثم خرجت منها، وكم من دول رفعت أعلامها فوق المدن والحصون ثم أصبحت ذكرى في بطون الكتب. أما العقائد والأفكار والرسالات فهي التي تبقى، وهي التي تحدد في النهاية من يستحق البقاء ومن يستحق الوراثة.

ولهذا فإن السؤال الأعمق من كل الأسئلة السياسية والعسكرية المطروحة اليوم هو: من سيرث فلسطين عقديًا قبل أن يرثها سياسيًا؟

إن كثيرًا من الناس ينشغلون بالسؤال عن مستقبل الحكم والسيادة والحدود، لكن سنن الله في التاريخ تدل على أن الوراثة السياسية لا تأتي أولًا، بل تسبقها دائمًا وراثة عقدية وفكرية وأخلاقية. فقبل أن يفتح المسلمون القدس في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كانت قد فتحت قلوبهم بالتوحيد، وقامت دولتهم على الإيمان، وتربى جيلهم على القرآن. وقبل أن يستعيد صلاح الدين القدس من الصليبيين، أمضى العلماء والمصلحون عقودًا طويلة في إصلاح العقائد، وإحياء السنة، وتوحيد الأمة، وبناء الجيل الذي حمل مشروع التحرير.

وهذه ليست مصادفة تاريخية، بل سنة ربانية ثابتة. قال تعالى: ﴿ولقدْ كتبْنا في الزبور منْ بعْد الذكْر أن الْأرْض يرثها عبادي الصالحون﴾ [الأنبياء: 105].

فلم يقل سبحانه: يرثها الأقوى سلاحًا، ولا الأكثر مالًا، ولا الأعلى ضجيجًا، بل قال: ﴿عبادي الصالحون﴾. لأن صلاح العقيدة هو الأساس الذي تبنى عليه كل أسباب التمكين الأخرى.

ومن هنا فإن المعركة الحقيقية على فلسطين ليست معركة حدود فحسب، بل هي معركة على هوية فلسطين ومستقبلها العقدي. فهناك مشروع صهيوني يريد اقتلاعها من جذورها الإسلامية وتحويلها إلى كيان يهودي خالص، وهناك مشاريع أخرى تحاول توظيف القضية لخدمة أجندات قومية أو طائفية أو حزبية، وهناك من يسعى إلى إعادة تشكيل وعي الأجيال الجديدة بحيث تنفصل فلسطين عن رسالتها الإسلامية وتتحول إلى مجرد قضية سياسية مجردة.

ولهذا فإن أخطر ما يجري اليوم ليس الصراع على الأرض وحدها، بل الصراع على العقل الذي سيفسر معنى فلسطين للأجيال القادمة. فكل مشروع يدرك أن من يربح معركة الوعي يقترب من ربح معركة المستقبل.

إن القدس لم تفتح يوم اليرموك، وإنما فتحت يوم خرج الجيل الذي انتصر في اليرموك. ولم تحرر يوم حطين، وإنما تحررت يوم نجح العلماء والمربون في صناعة جيل عرف ربه، وفهم دينه، ووحد صفه، وأخلص قصده لله تعالى.

ولهذا فإن الوريث الحقيقي لفلسطين ليس من يرفع شعارها فحسب، بل من يحمل عقيدتها الصحيحة، ويؤمن برسالتها، ويتمسك بالكتاب والسنة، ويجعل المسجد الأقصى جزءًا من إيمانه لا مجرد عنوان في نشرات الأخبار. فالذين يحفظون هوية فلسطين اليوم هم الذين يهيئون أسباب تحريرها غدًا.

إن الأمة قد تخسر أرضًا ثم تستعيدها، وقد تهزم في معركة ثم تنتصر في أخرى، لكن الخطر الأعظم أن تخسر عقيدتها وهويتها؛ لأن الأرض إذا ضاعت أمكن استرجاعها، أما إذا ضاعت الهوية ضاع معنى التحرير نفسه.

ومن هنا فإن مستقبل فلسطين لا يصنع في ميادين السياسة وحدها، ولا في ساحات القتال وحدها، بل يبدأ في المساجد، والمدارس، والبيوت، ومجالس العلم، حيث يربى الجيل على التوحيد، واليقين، والبصيرة، والارتباط بالوحي.

وفي الختام، فإن السؤال الحقيقي ليس: متى تعود فلسطين؟ بل: إلى أي عقيدة ستعود فلسطين؟ لأن الإجابة عن السؤال الثاني هي التي تحدد الإجابة عن السؤال الأول.

فمن ورث فلسطين عقديًا، وحفظ هويتها الإسلامية السنية، واستمسك بالوحي الذي بارك الله به هذه الأرض، فهو الأجدر – بإذن الله – أن يرثها سياسيًا يوم يكتب الله النصر والتمكين.

فورثة فلسطين الحقيقيون ليسوا الذين يسكنون أرضها فحسب، بل الذين يحملون رسالتها، ويحفظون عقيدتها، ويستحقون وعد الله: ﴿أن الْأرْض يرثها عبادي الصالحون﴾.

موضوعات ذات صلة