مأزق الانتصار: ماذا يحدث لإسرائيل حين تربح الحرب وتخسر المستقبل؟

د. سليم الرفاعي

ليست كل معركة تربح نصرًا، وليست كل هزيمة ميدانية نهاية. فقد تمتلك دولةٌ السماءَ والسلاحَ والتفوقَ التقني، ثم تكتشف بعد سنوات أنها دفعت مقابل انتصاراتها جزءًا من أمنها وشرعيتها وتماسكها وقدرتها على صناعة المستقبل. فالتاريخ لا يسأل فقط: من ربح المعركة؟ بل يسأل السؤال الأصعب: ماذا بقي من هذا النصر بعد عشرين عامًا؟

ومن هنا يبدأ المأزق الإسرائيلي: ماذا لو استطاعت إسرائيل أن تربح جولات عسكرية، لكنها خسرت الشروط التي تجعل تلك الانتصارات قابلة للتحول إلى استقرار دائم؟

التاريخ مليء بقوى ربحت معارك وخسرت صراعات. امتلكت الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا هائلًا في فيتنام، ودخل الاتحاد السوفيتي أفغانستان بقوة عظمى، وامتلكت فرنسا في الجزائر جيشًا متفوقًا؛ لكن المشكلة لم تكن دائمًا في القدرة على احتلال الأرض، وإنما في تكلفة الاحتفاظ بها، وعجز القوة العسكرية عن إنتاج نهاية سياسية مستقرة.

وهنا ينبغي تغيير معيار قياس الانتصار الإسرائيلي. فالسؤال ليس: كم هدفًا دمر؟ وكم مساحةً جرى احتلالها؟ وإنما: هل أصبحت إسرائيل بعد الحرب أكثر أمنًا؟ هل انخفض عدد خصومها؟ هل ازدادت شرعيتها الدولية؟ وهل أصبح الجيل الفلسطيني القادم أكثر قبولًا بالأمر الواقع أم أشد رفضًا له؟

إذا جاءت الإجابات في الاتجاه المعاكس، فقد يتحول النصر العسكري نفسه إلى عبء استراتيجي.

لكن هنا تحديدًا ينبغي نقل زاوية النظر من إسرائيل إلى فلسطين؛ لأن مستقبل الصراع لا تحدده قدرة الاحتلال على ممارسة القوة وحدها، بل كذلك قدرة الفلسطيني على البقاء بعد ممارستها. وهذه هي المعادلة التي أخفقت القوة العسكرية حتى الآن في كسرها: يمكن هدم البيت، لكن ذلك لا يهدم بالضرورة فكرة العودة إليه؛ ويمكن تغيير معالم المكان، لكن ذلك لا يمحو اسمه من الذاكرة؛ ويمكن إزاحة جيل بالقوة، لكن يصعب ضمان أن يرث الجيل التالي الهزيمة بدل القضية.

وهنا تكمن المفارقة الفلسطينية الكبرى: كلما أراد الاحتلال أن يجعل الفلسطيني جزءًا من الماضي، أعادت التجربة إنتاجه بوصفه سؤالًا من أسئلة المستقبل.

فالقوة الفلسطينية الأعمق ليست في ميزان السلاح وحده، حيث الاختلال واضح، وإنما في القدرة على منع الاحتلال من تحويل تفوقه العسكري إلى حقيقة تاريخية نهائية. لقد بقي الفلسطيني في الداخل، وبقي اللاجئ متعلقًا بفكرة العودة، وبقيت القدس حاضرة في الوعي، وانتقلت أسماء القرى من الجد إلى الحفيد. وهكذا لم يعد الصراع بين جيشين متكافئين، بل بين مشروع يريد تثبيت أمر واقع، وشعب يرفض أن يمنح هذا الأمر الواقع شرعية الزمن.

وهذا أخطر ما يواجه أي مشروع استيطاني؛ لأن الاحتلال يستطيع أن ينتصر على قوة عسكرية، لكنه يواجه مأزقًا مختلفًا حين تصبح الهوية نفسها شكلًا من أشكال المقاومة التاريخية.

ثم تأتي معركة الشرعية. ففلسطين لم تعد قضية تجري خلف أبواب الدبلوماسية وحدها؛ لقد أصبحت صور الحرب تصل إلى ملايين البشر لحظة وقوعها، وتحولت الجامعات والمحاكم والمؤسسات الدولية والرأي العام إلى ساحات موازية للصراع. وهكذا يدخل الفلسطيني إلى معركة المستقبل من أبواب لم تكن متاحة للأجيال السابقة: الرواية، والصورة، والقانون، والذاكرة الرقمية، والرأي العام العالمي.

أما المعركة الأخطر فهي معركة الزمن.

كان من رهانات المشروع الصهيوني أن يفعل الزمن فعله في الذاكرة الفلسطينية؛ لكن الزمن أظهر وجهًا آخر: لم تختف النكبة بموت شهودها الأوائل، بل تحولت إلى ذاكرة موروثة. وهذا يعني أن الاحتلال استطاع السيطرة على مساحات من الجغرافيا، لكنه لم يستطع حتى الآن احتلال الذاكرة.

وفي ميزان السنن، لا توجد قوة أبدية: ﴿وَتلكَ الأَيام ندَاولهَا بَينَ الناس﴾ [آل عمران: 140].

وقال تعالى: ﴿وَلَولَا دَفع الله الناسَ بَعضَهم ببَعض لَفَسَدَت الأَرض﴾ [البقرة: 251].

فالتداول والتدافع سنتان تحكمان حركة التاريخ. لكن السنن لا تعمل بالأماني؛ إنها تمر عبر الإنسان الذي يحفظ هويته، ويبني أسباب قوته، ويحول الصمود من رد فعل إلى مشروع حضاري وسياسي طويل النفس.

وهذا لا يعني الجزم بأن إسرائيل على أبواب السقوط؛ فذلك أمنية لا دراسة مستقبلية. وإنما يعني أن بقاء أي مشروع سياسي مرهون بقدرته على صناعة مستقبل قابل للحياة، وأن بقاء القضية الفلسطينية مرهون، في المقابل، بقدرة الفلسطينيين وأمتهم على تحويل قوة الذاكرة والحق إلى قوة معرفة ومؤسسات ووحدة واستراتيجية.

وهنا يصبح السؤال أعمق من سؤال الصواريخ والجبهات:

ماذا لو ربحت إسرائيل الحرب، لكنها عجزت عن جعل الفلسطيني يسلم بنتيجتها؟ وماذا لو خرج من تحت الركام جيل أشد تمسكًا بهويته، وأكثر قدرة على مخاطبة العالم، وأطول نفسًا في معركة الزمن؟

عندئذ لن يكون السؤال: من ربح المعركة؟

بل: من استطاع أن يصنع المستقبل؟

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: قد تمتلك إسرائيل تفوق الحاضر، لكن فلسطين، ما دامت حية في الإنسان والذاكرة والهوية، تبقى قادرة على منازعتها على الجائزة الأهم… المستقبل.

موضوعات ذات صلة