كيف فضحت نازلة غزة المشروع الإيراني في فلسطين؟

د. أحمد يوسف أبو شنب

لم تكن نازلة غزة حدثًا عسكريًا عابرًا، بل كانت نقطة تحول كشفت كثيرًا من الحقائق، وأسقطت كثيرًا من التصورات التي تراكمت في الوعي العربي والإسلامي خلال العقود الماضية. فالحروب الكبرى لا تغيّر خرائط الجغرافيا فحسب، بل تعيد رسم خرائط الأفكار، وتمتحن صدق الشعارات، وتكشف الفارق بين الخطاب السياسي والواقع العملي.

ومن أكثر المشاريع التي تعرضت لهذا الامتحان المشروع الإيراني، الذي جعل من فلسطين والقدس عنوانًا ثابتًا في خطابه منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979، وقدم نفسه بوصفه رأس حربة في مواجهة الكيان الأزرق المحتل، حتى أصبح اسم القدس حاضرًا في مؤسسات عسكرية وإعلامية وسياسية إيرانية، وأضحى “تحرير فلسطين” أحد أبرز شعاراته.

غير أن الحروب لا تُقاس بالشعارات، وإنما بما تكشفه ساعة الامتحان.

لقد قال المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في أكثر من مناسبة أن تحرير فلسطين شرف لا تريد إيران ان تشارك الفلسطينيين فيه.

وجاءت نازلة غزة لتضع هذا الخطاب الإيراني أمام اختبار غير مسبوق. فقد شاع قبل الحرب وأثناء بداياتها حديث عن إمكان انخراط أطراف متعددة فيما يعرف بـ«محور المقاومة» إذا توسعت المواجهة. لكن مجريات الأحداث أظهرت أن حجم المشاركة ظل محدودًا، ولم يتحول إلى مواجهة إقليمية شاملة، بينما تحمل قطاع غزة العبء الأكبر من الحرب وما خلّفته من خسائر بشرية وعمرانية جسيمة.

ومن الوقائع التي استوقفت كثيرًا من المراقبين أيضًا استمرار المسارات الدبلوماسية المتعلقة بالملف الإيراني، في وقت لم تظهر فيه القضية الفلسطينية بوصفها محورًا معلنًا لتلك المسارات بينما حضرت جميع أذرع إيران ومليشياتها في لبنان واليمن والعراق بقوة على طاولة المفاوضات الأمريكية الإيرانية، الأمر الذي دفع عددًا من المحللين إلى التساؤل: إذا كانت فلسطين هي القضية المركزية في الخطاب الإيراني، فلماذا لم تحتل الموقع نفسه في الأولويات السياسية الإيرانية خلال أخطر مراحل الحرب؟

كما أن التطورات اللاحقة للحرب، وما أثير حول ترتيبات مستقبل قطاع غزة، ومستقبل السلاح، وشكل الإدارة الأمنية والسياسية، زادت من هذه الأسئلة مع غياب كامل للمشروع الإيراني.

وهنا تظهر المفارقة التي تستحق التأمل؛ فالدول – في نهاية المطاف – تحكمها حسابات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية، مهما ارتفعت شعاراتها الأيديولوجية. وهذه قاعدة لا تخص إيران وحدها، بل تكاد تكون سنة جارية في العلاقات الدولية. ولذلك فإن قراءة السياسات ينبغي أن تُبنى على الأفعال والنتائج، لا على الخطابات وحدها.

إن نازلة غزة – في تقديري – دفعت كثيرين إلى إعادة النظر في هذا السؤال، وإلى مراجعة مسلّمات كانت تبدو عند بعضهم غير قابلة للنقاش. كما أعادت التأكيد على أن القضية الفلسطينية لا ينبغي أن تُربط بأي مشروع إقليمي، ولا أن يُختزل مستقبلها في رهان على قوة خارجية، أياً كانت.

والدرس الذي ينبغي أن تستوعبه القوى الفلسطينية هو أن استقلال القرار الوطني، والاعتماد بعد الله على تماسك المجتمع الفلسطيني، وعمقه العربي والإسلامي السني، وبناء عناصر القوة الذاتية، يظل الخيار الأكثر رسوخًا. فالقضية التي حملتها الأمة قرونًا لا يجوز أن تتحول إلى ورقة في موازين القوى الإقليمية أو الدولية.

لقد أثبتت نازلة غزة أن الحروب تفرز الحقائق، وأن الشعارات مهما بلغت قوتها لا تُغني عن المواقف العملية. وسيبقى السؤال مطروحًا أمام كل مشروع يرفع راية فلسطين: ماذا قدّم يوم كانت غزة تواجه أقسى محنة في تاريخها الحديث؟

فالتاريخ لا يحفظ كثرة الشعارات، وإنما يحفظ المواقف التي ثبتت عند ساعة الامتحان، والوقائع التي صمدت أمام اختبار الزمن.

إن هوية فلسطين السنية ليست موقفًا سياسيًا عابرًا، بل هي الضمانة التاريخية لاستقلال قرارها، وصيانة قضيتها من أن تتحول إلى ورقة في صراعات المحاور. فمن حفظ الهوية، حفظ القضية، ومن فرّط في الهوية، فتح الباب لكل مشروع وافد، مهما رفع من شعارات القدس.

موضوعات ذات صلة