فلسطين… السؤال الذي عجز التاريخ عن إغلاقه
قراءة حضارية في سر بقاء القضية الفلسطينية واستمرارها عبر الأجيال
د. محمد نزار حبنكة
لم يعرف التاريخ الحديث قضية استطاعت أن تحافظ على حضورها في الوعي الإنساني والسياسي كما فعلت فلسطين. فقد مرت على العالم خلال القرن الماضي حروب كبرى، وسقطت إمبراطوريات، وتغيرت أنظمة، وتبدلت خرائط، واختفت قضايا كانت تملأ الدنيا ضجيجًا، لكن فلسطين بقيت حاضرة، وكأنها سؤال مفتوح يرفض التاريخ نفسه أن يطوي صفحته.
منذ ٨٠ عاماً راهن كثيرون على عامل الزمن. ظنوا أن الأجيال ستنسى، وأن الذاكرة ستضعف، وأن الحقائق ستذوب تحت ضغط القوة والدعاية والسيطرة على الأرض. لكن الذي حدث كان على النقيض تمامًا؛ فكلما تقدم الزمن، عادت فلسطين إلى واجهة الأحداث من جديد، وأثبتت أن بعض القضايا لا تعيش بقوة السلاح، بل بقوة الحقيقة التي تحملها.
إن سر بقاء فلسطين لا يكمن في كونها أرضًا متنازعًا عليها فحسب، بل لأنها تمثل اجتماع عناصر نادرة قل أن تجتمع في قضية واحدة؛ فهي قضية عقيدة وهوية وتاريخ وذاكرة وحق إنساني. ولهذا لم تنجح محاولات التصفية المتكررة في إنهائها، لأن ما يراد اقتلاعه ليس مجرد شعب من أرضه، بل رواية متجذرة في الوعي والتاريخ.
ومن يقرأ حركة الأمم يدرك أن الاحتلال قد يسيطر على الأرض، لكنه يعجز عن امتلاك الذاكرة. فكم من قوة استعمارية ظنت أن الزمن يعمل لصالحها، ثم اكتشفت بعد عقود أن الشعوب لم تنس، وأن الحقوق المؤجلة لا تموت بالتقادم. لقد احتل الصليبيون القدس قرابة تسعين عامًا، ثم خرجوا منها وبقيت القدس. واحتلت قوى استعمارية مساحات شاسعة من العالم لعقود طويلة، ثم رحلت وبقيت الشعوب. وهذه ليست مصادفات تاريخية، بل سنة من سنن الله في المجتمعات البشرية.
ويقرر القرآن هذه الحقيقة في قوله تعالى: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ [آل عمران: 140].
فالتداول سنة ربانية لا تستثني أحدًا. وما من قوة بلغت ذروة مجدها إلا وبدأت بعد ذلك رحلة التراجع. وما من أمة مرت بمرحلة ضعف إلا كان في ضعفها بذور نهضتها إذا تمسكت بأسباب البقاء.
ومن السنن كذلك أن الحق قد يحاصر لكنه لا يختفي، وأن الباطل قد ينتفخ لكنه لا يستقر. قال تعالى: ﴿فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض﴾ [الرعد: 17].
ولهذا فإن استمرار القضية الفلسطينية ليس حدثًا سياسيًا عابرًا، بل دليل على أن عناصر بقائها ما زالت حية. فالشعب الفلسطيني لم يفقد هويته رغم التهجير، ولم يفقد ارتباطه بأرضه رغم الاحتلال، ولم تفقد الأمة ارتباطها العاطفي والديني بالقدس رغم محاولات التغييب. بل إن الأجيال الجديدة تبدو في كثير من الأحيان أكثر وعيًا بالقضية من أجيال سبقتها، بفضل وسائل الاتصال الحديثة وانكشاف الحقائق أمام العالم.
ومن زاوية استشراف المستقبل، فإن أخطر ما يواجه أي مشروع استيطاني ليس المقاومة العسكرية وحدها، بل فشله في كسب معركة الزمن. فالمشاريع الاستيطانية تنجح حين ينسى أصحاب الأرض قضيتهم، أو يفقدون هويتهم، أو يستسلمون للأمر الواقع. أما إذا بقيت الذاكرة حية، والرواية متماسكة، والأجيال تتوارث القضية، فإن الزمن يتحول من عامل لصالح المحتل إلى عامل ضده.
وهنا تكمن خصوصية فلسطين؛ فهي ليست مجرد نزاع على حدود أو موارد، بل قضية متجذرة في الوعي الديني والتاريخي والإنساني. ولذلك لم تستطع الحروب ولا الاتفاقيات ولا حملات التشويه أن تنهي حضورها. بل كلما ظن البعض أنها ابتعدت عن المشهد، عادت لتفرض نفسها على العالم من جديد.
لقد حاول التاريخ مرارًا أن يغلق ملف فلسطين، لكن فلسطين كانت تعود في كل مرة لتطرح السؤال نفسه بصيغة أقوى: هل تستطيع القوة أن تلغي الحق؟ وهل يمكن للاحتلال أن يصنع شرعية دائمة؟ وهل ينجح الزمن في دفن قضية ما دام أصحابها متمسكين بها؟
حتى اليوم، لم يجد التاريخ جوابًا يغلق هذا السؤال.
ولهذا ستبقى فلسطين، في نظر المؤرخ المنصف والمحلل البصير، أكثر من مجرد قضية سياسية؛ ستبقى شاهدًا على أن الحق قد يتأخر، لكنه لا يموت، وأن الشعوب قد تستضعف، لكنها لا تلغى، وأن بعض القضايا تظل حية لأنها مرتبطة بسنن الله في التدافع والتداول، لا بموازين القوة المؤقتة.
إن فلسطين ليست فقط قضية لم تحل بعد، بل هي بحق السؤال الذي عجز التاريخ عن إغلاقه.
