هل يستطيع كيان الاحتلال أن يربح المعركة العسكرية ويخسر المعركة الاستراتيجية؟
الجواب: التاريخ يجيب عن هذا السؤال بوضوح: نعم، فقد تحقق الانتصار العسكري لكثير من القوى عبر العصور، لكنها عجزت عن تحقيق النصر الاستراتيجي الذي يضمن الاستقرار والقبول والاستمرار. فالقوة تستطيع السيطرة على الأرض، لكنها لا تضمن السيطرة على الذاكرة أو الهوية أو القناعة.
المعركة العسكرية تقاس بعدد المواقع التي تسيطر عليها الجيوش أو بما تملكه من أدوات القوة، أما المعركة الاستراتيجية فتقاس بقدرة المنتصر على فرض واقع دائم ومقبول وقابل للاستمرار. وهنا يظهر الفرق بين الإنجاز المؤقت والتحول التاريخي العميق.
وفي الحالة الفلسطينية، لا يكفي النظر إلى موازين القوة العسكرية وحدها لفهم المشهد. فبعد عقود طويلة من الصراع ما تزال الهوية الفلسطينية حاضرة، وما تزال القضية حية في وجدان اهل فلسطين وخارجها، وما تزال الأجيال الجديدة تحمل الرواية نفسها رغم تغير الظروف وتبدل الأزمنة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من يملك السلاح الأقوى؟ بل: من يملك القدرة على الصمود والاستمرار وكسب المستقبل؟ فالتاريخ لا يخلد الأقوى عسكريًا بالضرورة، وإنما يخلد القادر على بناء شرعية أخلاقية وعقدية تدفع الناس إلى الالتفاف حوله.
ومن سنن الحياة التي لا تتخلف أن الظلم قد يفرض واقعًا لفترة من الزمن، لكنه يظل يحمل في داخله عوامل أزمته الخاصة. أما الحق فإنه قد يمر بمراحل ضعف أو تراجع، لكنه يملك قدرة متجددة على النهوض كلما وجدت من يحمله بإخلاص وصبر.
ولهذا فإن نتائج الصراعات الكبرى لا تقاس بما يحدث في يوم أو سنة، وإنما بما يبقى بعد عقود طويلة. وعند هذه النقطة تحديدًا تبدأ المعركة الاستراتيجية الحقيقية.
