التحالفات في آخر الزمان وموقع فلسطين منها: قراءة نبوية استراتيجية
الشيخ سليم بن عيد الهلالي
تمهيد: بين هداية الوحي وتعقيد السياسة:
تقدم السنة النبوية تصورًا مركبًا للتحالفات في آخر الزمان؛ تصورًا لا يغفل تعقيد السياسة، ولا يفرط في ثوابت العقيدة. ومن ثم ففهم هذه النصوص لا يكون بعاطفة مجردة، ولا بواقعية منفصلة عن الوحي، بل بميزان يجمع فقه النص وفقه السنن. وفي قلب هذا المشهد تقف فلسطين بوصفها محورًا لإعادة تشكيل الاصطفافات، وميدانًا يتكشف فيه صدق المشاريع أو زيفها.
أولًا: نص التحالف المؤقت (الصلح مع الروم- وسياقه:
ثبت عن النبي ﷺ قوله: «تصالحون الروم صلحًا آمنًا، فتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم، فتنصرون وتغنمون وتسلمون، ثم تنزلون بمرج ذي تلول، فيرفع رجل من الروم الصليب فيقول: غلب الصليب، فيغضب رجل من المسلمين فيدقه، فعند ذلك تغدر الروم وتجتمع للملحمة».
رواه أبو داود (4292)، وصححه الألباني.
هذا الحديث يقرر ثلاث حقائق استراتيجية:
1- إمكان الصلح والتحالف المؤقت مع قوة غير مسلمة لتحقيق مصلحة راجحة.
2- أن التحالفات محكومة بالمصالح المتقلبة لا بالثوابت العقدية للطرف الآخر.
3- حتمية الانقلاب إلى صراع حين تظهر التناقضات العقدية أو تتبدل المصالح.
فالحديث ليس دعوة إلى الارتهان، بل تحذير من وهم الديمومة في تحالفات تقوم على غير أساس عقدي مشترك.
ثانيًا: الفرق المنهجي بين “التحالف” و“الاستعانة بالكفار”:
يقع الخلط كثيرًا بين مفهومين:
1- التحالف (الموادعة/المهادنة):
– هو اتفاق مؤقت لتحقيق مصلحة مشتركة محددة.
– دل عليه فعل النبي ﷺ في صلح الحديبية، وما تقرر في هذا الحديث من الصلح مع الروم.
– شروطه الشرعية:
– ألا يتضمن موالاةً قلبية أو نصرةً لدينهم على دين الإسلام.
– أن يكون تحت سيادة قرار المسلمين، لا تابعًا لإرادة غيرهم.
– أن يكون مؤقتًا ومقيدًا بالمصلحة، قابلًا للفسخ عند تغيرها.
2- الاستعانة بالكفار:
– هي طلب العون العسكري أو السياسي من غير المسلمين في قتال أو شأن للمسلمين.
– وقع فيها خلاف معتبر بين أهل العلم:
– المنع إذا ترتب عليها تمكين للكافر أو ولاية له على المسلمين.
– الجواز المقيد عند الحاجة وبشروط: أمن الخيانة، وغلبة الظن بالمصلحة، وبقاء القيادة والقرار بيد المسلمين.
– يدل على أصل المنع ما في حديث: «لن أستعين بمشرك» اخرجه مسلم، وعلى الجواز المقيد ما ثبت من استعانته ﷺ بدليل غير مسلم في الهجرة، واستعانته بصفوان بن أمية في حنين.
الخلاصة الفارقة:
– التحالف: علاقة سياسية مؤقتة لتحقيق مصلحة مشتركة دون تسليم القيادة.
– الاستعانة: طلب عون قد يفضي إلى تبعية إن لم تضبط بضوابط الشرع.
والميزان الحاكم في الاثنين: تحقيق المصلحة الراجحة مع صيانة الاستقلال العقدي والسيادي.
ثالثًا: فلسطين… بوصلة التحالفات ومختبرها:
فلسطين ليست ملفًا ثانويًا؛ إنها نقطة تقاطع المصالح العالمية: دينية، وجيوسياسية، ورمزية. لذا تتكثف حولها التحالفات، وتختبر فيها. ومن يقرأ الحديث السابق يدرك أن أي تقارب مع قوى كبرى لن يكون ضمانة دائمة، بل مرحلة عابرة في سياق أطول ينتهي إلى ملحمة فاصلة.
وهنا يتجلى معنى قول الله تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله﴾ [فاطر: 43]، وقوله: ﴿وتلك الأيام نداولها بين الناس﴾ [آل عمران: 140]؛ فالتداول سنة، والمكر يرتد، والتحالفات الهشة تتفكك عند أول اختبار عقدي أو مصلحي حاد.
رابعًا: المشروع الإسلامي المستقل… شرط النصر:
النصوص لا تقدم الأمة تابعًا في خرائط الآخرين، بل صاحبة مشروع. قال تعالى: ﴿وكان حقًا علينا نصر المؤمنين﴾ [الروم: 47]، وقال: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾ [الحج: 40].
ومقتضى ذلك:
1- الاستقلال العقدي: أن يكون الولاء والبراء منضبطًا بالتوحيد والسنة، لا بإملاءات التحالفات.
2- الاستقلال الاستراتيجي: بناء القوة الذاتية (علمًا، واقتصادًا، عسكرًا)، بحيث لا تستبدل التبعية العسكرية بتبعية سياسية.
3- الوعي السني: إدراك أن النصر يمر بسنن: إعداد، وتمحيص، وتدافع، لا بقفزات معجزة بلا أسباب.
وفي هذا السياق تأتي بشارة الثبات: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين حتى يقاتل آخرهم الدجال ” رواه ابو داود وصححه الالباني
فالمعيار ليس من تحالف، بل من تكون: طائفة ثابتة على الحق، تحسن قراءة الواقع دون أن تذوب فيه.
خامسًا: من التحالفات إلى الحسم:
يفيد الحديث أن التحالف المؤقت ينقلب إلى صراع عند بروز التناقض العقدي (رفع الصليب)، ثم تقع الملحمة. وهذه النهاية ليست مفاجئة لمن فهم السنن: تحالفات بلا أساس عقدي = هشاشة بنيوية. ومع تراكم التناقضات، يكون الحسم.
وفي ضوء ذلك، فإن موقع فلسطين سيبقى قلب المعادلة: فيها تختبر التحالفات، وعندها تتكسر، ومنها يبدأ التحول نحو غلبة الحق بعد تمحيص طويل.
بصيرة لا تنخدع:
القراءة النبوية للتحالفات لا ترفض السياسة، لكنها تؤطرها بالعقيدة والسنن. فتسمح بالمهادنة حيث ترجح المصلحة، وتحذر من الارتهان، وتوجب بناء مشروع مستقل. ومن جمع بين فقه النص وفقه الواقع، أدرك أن الطريق إلى تحرير فلسطين ليس عبر تحالفات متقلبة، بل عبر أمة توحد مقصدها، وتستقل قرارها، وتحسن إعدادها، فتكون جديرة بوعد الله إذا جاء موعده.
ولا غالب إلا الله.
