«الفلسطينيون باعوا أرضهم»… كذبة صهيونية تعيد إنتاج الضحية كمُدان

تفنيد علمي في ضوء التاريخ والوثائق

الأستاذ معتز الكبيسي

الفلسطينيون باعوا أرضهم … عبارة تردد كثيرًا لتبرير قيام الاحتلال، وتخفيف وطأة الجريمة، وتحويل الضحية إلى متهم. لكنها في حقيقتها واحدة من أخطر الأكاذيب السياسية التي صنعت بعناية، وروجت إعلاميًا، وتسللت إلى الوعي العربي والدولي.

فهل باع الفلسطينيون أرضهم فعلًا أم أن هذه المقولة تزييف للتاريخ وتبرير للاحتلال بالقوة؟

أولًا: الأرقام تكذب الرواية:

قبل عام 1948، لم تتجاوز ملكية اليهود في فلسطين – وفق سجلات الانتداب البريطاني نفسها – نحو 6% إلى 7% من مساحة الأرض.

فمن أين جاء الكيان الصهيوني ببقية الأرض؟!

الجواب واضح:

أكثر من 93% من أرض فلسطين لم تشتر، بل سلبت بالقوة، عبر الاحتلال العسكري، والمجازر، والتهجير القسري، والتدمير المنهجي للقرى والمدن.

فلو كانت الأرض قد بيعت فعلًا، لما احتاجت العصابات الصهيونية إلى ارتكاب عشرات المجازر، مثل دير ياسين والطنطورة، ولا إلى تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني قسرًا.

ثانيًا: البيع المحدود… لمن كان؟ وكيف استغل؟

نعم، وقعت بعض عمليات البيع المحدودة قبل 1948، لكنها كانت:

– نادرة جدًا ومحدودة جغرافيًا،

– وغالبها تم عبر ملاك كبار غير فلسطينيين (لبنانيين أو سوريين أو عثمانيين)،

– أو تحت ضغط اقتصادي وسياسي شديد في ظل الاحتلال البريطاني.

ومع ذلك، فإن هذه النسبة الضئيلة لا تبرر أبدًا احتلال وطن كامل وتشريد شعب بأكمله.

فهل يعقل أن يقال إن شعبًا «باع أرضه»، لأن أقلية باعت جزءًا يسيرًا منها في ظروف استثنائية؟!

ثالثًا: النكبة… جريمة اقتلاع لا صفقة بيع:

ما جرى عام 1948 لم يكن انتقال ملكية، بل جريمة تطهير عرقي موثقة:

– تدمير أكثر من 500 قرية فلسطينية،

– تهجير جماعي تحت تهديد السلاح،

– سن قوانين لاحقة لمصادرة أراضي اللاجئين (قانون أملاك الغائبين).

هذه ليست أدوات «شراء»، بل أدوات احتلال واستيلاء بالقوة.

رابعًا: لماذا تروج هذه الكذبة؟

لأنها تخدم أهدافًا خطيرة:

1- تبرير قيام الاحتلال أخلاقيًا أمام العالم.

2- إضعاف التعاطف مع القضية الفلسطينية.

3- زرع اليأس في نفوس العرب والمسلمين: «أنتم من بعتم… فلا حق لكم!»

وهنا تكمن خطورة الكذبة: ليست مجرد تحريف تاريخي، بل سلاح نفسي لتفكيك الوعي.

الخاتمة: الحقيقة لا تباع:

فلسطين لم تبع… بل اغتصبت.

وشعبها لم يفرط… بل قاوم وقهر وهجر.

والقول إن «الفلسطينيين باعوا أرضهم» ليس فقط خطأً، بل تواطؤ مع الرواية الصهيونية، وطعن في حق شعب ما زال يدفع ثمن تمسكه بأرضه حتى اليوم.

الحقيقة الثابتة: ما أخذ بالقوة لا يشرعن بالكذب… ولا يسقط بالتقادم.

موضوعات ذات صلة