التوراة المحرفة تشرعن التوظيف الديني للاحتلال؟
الأستاذ خضير الدليمي
في قلب الصراع على فلسطين، لا يقف السلاح وحده، بل يقف التأويل؛ تأويل نص ديني يستدعى ليمنح الفعل السياسي شرعيةً تتجاوز القانون والأخلاق. فالتوراة – بوصفها نصا مقدسًا في الوعي اليهودي – تحولت في بعض القراءات الحديثة إلى مرجعية لمشروع استيطاني، عبر انتقاء نصوص وإخراجها من سياقها الروحي إلى سياق سياسي إحلالي.
المفهوم المحوري هنا هو «الأرض الموعودة» غير أن القراءة النقدية للنصوص تظهر أن هذا المفهوم مقيد أخلاقيًا في سياقاته الأصلية، مرتبط بالعدل والطاعة، لا تفويضًا مطلقًا بالسيطرة. لكن حين انتقلت هذه الفكرة إلى خطاب الصهيونية الدينية في القرن العشرين، جرى تجريدها من شروطها الأخلاقية، وتحويلها إلى حق تاريخي ثابت، يستدعى لتبرير الاستيطان وتهجير السكان.
هنا تتبدى آلية التوظيف: انتقاء للنص، وتوسيع لدلالته، ثم إسقاط سياسي. فعبارات مثل «العودة إلى صهيون» أو «وراثة الأرض» تقرأ قراءةً حرفيةً خارج سياقها الرمزي والوعظي، وتقدم للعالم باعتبارها إرادةً إلهيةً ملزمة. وبهذا التحويل، يصبح النزاع على الأرض نزاعًا مقدسًا، لا يقاس بميزان القانون الدولي أو حقوق الإنسان، بل بميزان «الوعد».
غير أن هذا البناء يواجه إشكالين جوهريين:
أولًا: الإشكال النصي:
دراسات نقد الكتاب المقدس تظهر تعدد الطبعات والترجمات، واختلاف القراءات، ما يجعل الاعتماد على قراءة واحدة مسيسة أمرًا انتقائيًا. بل إن داخل الدوائر الدينية اليهودية نفسها أصواتًا ترفض تحويل النص إلى أداة سيادة سياسية، وتؤكد أن البعد الأخلاقي للتوراة – العدل والرحمة – لا ينسجم مع الإقصاء والاقتلاع.
ثانيًا: الإشكال الأخلاقي:
حتى لو سلم بوجود نص يفهم منه «الوعد»، فإن تطبيقه على حساب شعب قائم يناقض القيم الكلية التي تقرها الشرائع: حرمة الدم، وصيانة الكرامة، ورفض الظلم. فالتحويل من «وعد ديني» إلى «مشروع إحلالي» يقتضي إسقاط الإنسان من المعادلة، وهذا ما يفضحه الواقع على الأرض.
وعلى مستوى التاريخ المعاصر، يتجلى هذا التوظيف في الربط بين الخطاب الديني والسياسة الاستيطانية: توسع مستمر، وإعادة تعريف للخرائط، وخطاب عالمي يسوق الاحتلال بوصفه «تحقيقًا لنبوءة». وهنا يتحول الدين – في هذه القراءة – من مرجعية أخلاق إلى أداة تعبئة.
إن القراءة الرصينة لا تنفي حضور الدين في تشكيل الهوية، لكنها ترفض اختزال الدين في مشروع سيطرة. فالنصوص المقدسة – في جوهرها – تبنى على هداية الإنسان، لا إقصائه؛ وعلى إقامة العدل، لا تبرير القوة. ومن ثم، فإن تفكيك التوظيف السياسي للنص يصبح ضرورةً معرفية وأخلاقية، لحماية الدين من الاستغلال، وحماية الإنسان من الظلم.
ليست المشكلة في وجود نص ديني، بل في كيفية قراءته وتوظيفه، وعندما ينزع النص من سياقه الأخلاقي، ويسخر لخدمة مشروع استيطاني، فإنه يفقد روحه ويصبح أداةً للصراع. إن استعادة التوازن بين النص والقيمة هي المدخل لفهم أعمق، ولخطاب يعيد الاعتبار للعدل بوصفه غاية كل رسالة.
