التحالف الصهيوني – الصفوي: مشروع مشترك ضد هوية فلسطين السنية

الدكتور عاطف التميمي

في قلب الصراع على فلسطين، لا تتواجه مشاريع عسكرية فحسب، بل تتصادم هويات ورؤى حضارية. فبين المشروع اليهودي الصهيوني الذي يسعى إلى تثبيت كيان ديني–قومي على أرض فلسطين، والمشروع الإيراني الصفوي ذي الطابع المذهبي التوسعي، تتشكل مساحة معقدة من التقاطع غير المباشر، حيث تلتقي المصالح رغم اختلاف الشعارات. وهنا يبرز سؤال ملحّ: هل نحن أمام صراع مطلق بين مشروعين، أم أمام توازنات تستثمرها الأطراف المختلفة على حساب القضية الفلسطينية وهويتها؟

أولًا: المشروع اليهودي الصهيوني… تثبيت الأرض وتغيير الهوية:

منذ تأسيسه عمل المشروع اليهودي الصهيوني على هدفين متلازمين:

التحكم في الجغرافيا.

وإعادة صياغة الهوية.

لا يقتصر الأمر على الاحتلال العسكري، بل يمتد إلى تهويد المكان، وتفكيك البنية الاجتماعية، وإضعاف الحاضنة الثقافية والدينية التي تُبقي القضية حيَّة.

في هذا السياق، تصبح هوية فلسطين السنية-بما تحمله من تاريخ ديني وعمق حضاري-عقبة استراتيجية أمام تثبيت الرواية اليهودية والسردية الصهيونية.

ثانيًا: المشروع الصفوي الإيراني… نفوذ إقليمي بغطاء مذهبي:

في المقابل تبنت إيران الصفوية منذ عام 1979 خطاب «نصرة المستضعفين» و«تحرير القدس»، لكنها عمليًا عملت على بناء نفوذ إقليمي عبر شبكات سياسية وعسكرية ذات طابع مذهبي.

هذا النفوذ تمدد في عدة ساحات عربية، وارتبط أحيانًا بأولويات تتجاوز فلسطين إلى تثبيت حضور جيوسياسي طويل الأمد.

النتيجة أن القضية الفلسطينية تحوّلت-في بعض المراحل-إلى ورقة ضمن توازنات إقليمية، تُستخدم لتحسين موقع تفاوضي أو توسيع دائرة النفوذ، أكثر من كونها مشروع تحرير مستقل.

ثالثًا: تقاطع المصالح… حيث يلتقي المختلفون:

رغم التباين الأيديولوجي، تظهر في الواقع نقاط تقاطع بين المشروعين:

– إضعاف البيئة العربية السنية: الانقسام الداخلي، والصراعات البينية، كلها عوامل تُضعف الحاضنة الشعبية للقضية الفلسطينية.

– إدارة الصراع بدل حسمه: استمرار التوتر دون حسم نهائي يخدم بقاء المعادلات القائمة، ويمنح كل طرف مساحة لتعزيز نفوذه.

– توظيف القضية إعلاميًا وسياسيًا: الكيان يوظف «التهديد الإيراني» لتحسين علاقاته الدولية، وإيران توظف «فلسطين» لتعزيز خطابها الإقليمي.

هذا لا يعني وجود تحالفات لإضعاف القضية، حتى وإن اختلفت الدوافع.

رابعًا: الخطر الحقيقي… تآكل الهوية:

الخطر الأكبر لا يكمن فقط في الاحتلال أو النفوذ، بل في تآكل هوية القضية نفسها. حين تتحول فلسطين إلى ملف ضمن صراعات إقليمية، أو إلى شعار في خطابات سياسية، تُفقد خصوصيتها كقضية شعب وأرض وحقوق تاريخية.

وحين تنشغل البيئة العربية السنية بصراعات داخلية، تتراجع الأولوية الفلسطينية، ويصبح الاحتلال أقل كلفة.

فلسطين اليوم تقف عند تقاطع مشاريع متعددة، بعضها معلن وبعضها ضمني. المشروع اليهودي الصهيوني يسعى لترسيخ واقع دائم، والمشروع الإيراني الصفوي يسعى لتوسيع نفوذه، وبينهما تتعرض القضية لضغوط مركبة.

إن الحفاظ على فلسطين المسلمة السنية يبدأ من تحريرها من التوظيف السياسي الضيق، وإعادة مركزيتها كقضية إسلامية جامعة، تقوم على وحدة الصف، ووضوح الهدف، واستقلال القرار.

فالحقوق لا تُصان في ظل التبعية، ولا تُستعاد إلا حين تستعيد الأمة قدرتها على تعريف أولوياتها بعيدًا عن صراعات الآخرين.

موضوعات ذات صلة