من الإسراء إلى التحرير: التسلسل النبوي لمصير فلسطين
الدكتور عدي البرغوثي
حين أسرى الله بنبيّه محمد ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، لم تكن الرحلة مجرد كرامة فردية للنبي، بل كانت بوصلة للأمة نحو مركز الصراع العقائدي والتاريخي والمستقبلي. الإسراء أوّل إعلان رباني عن خصوصية القدس في الدين الإسلامي، ومن يومها ارتبط مصير هذه البقعة المباركة بمسيرة النبوة وأخبار آخر الزمان، لتكون بداية السجال ونهاية المعركة في آنٍ واحد.
أولًا: المرحلة النبوية… الوعد والرباط:
بدأ التسلسل النبوي بتثبيت قدسية المكان، إذ ربط النبي ﷺ بين المسجدين، وأمّ الأنبياء في بيت المقدس، لتصبح القدس رمز الرسالات كلها. ومنذ ذلك الوقت، دخلت فلسطين في مسار رباني خاص، يقوم على وعد بالتمكين مقرون بشروط الشرع والسنن:
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ [الحج: 40].
ولم تكن أحاديث النبي ﷺ عن الطائفة المنصورة، وبيت المقدس، وملاحم الشام، إلا تمهيدًا لما سيجري في آخر الزمان من صراع على الهوية والمكان.
ثانيًا: الحقبة التاريخية… التيه والمقاومة:
منذ ان دخلت فلسطين مرحلة التيه التاريخي والسياسي، بتكالب الاستعمار، وتخاذل ذوي القربى ، وتمزق المرجعيات. لكن سنن الله لا تتوقف: فقد حفلت هذه المرحلة بإشارات على بدء عودة الأمة إلى الطريق الرباني، من خلال:
– صعود الوعي العقدي بأهمية القدس.
– الرباط الشعبي رغم الاحتلال.
– بروز جيل متدين ومبصر بسنن الله.
وهذه المرحلة تمثل المرحلة الوسطى من التسلسل النبوي، حيث تتقاطع السنن الشرعية مع السنن الكونية: التدافع، التمحيص، الابتلاء، التغيير الاجتماعي.
ثالثًا: المستقبل المرسوم في السنن:
لا تعتمد النصوص النبوية على التنبؤ الخيالي، بل ترسم المستقبل من خلال سنة الله في التغيير، التي تنبني على:
– الإيمان والعمل، لا الأمنيات والتمنيات.
– الاستضعاف المؤقت يليه التمكين.
– صراع بين أهل الحق والباطل حتى يحكم الله بينهم.
وقد أخبر النبي ﷺ أن بيت المقدس سيكون ساحة صراع حتى قيام الساعة، لكنه أيضًا أرض الانتصار النهائي، كما قال: «لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود… فيقتلهم المسلمون». رواه مسلم
وهذا الحديث لا يُفهم منعزلًا عن باقي السنن، بل في ضوء أمةٍ تستعد وتمارس دورها، لا تنتظر خلاصًا معجزيًّا دون بذل.
رابعًا: استشراف النهاية… من سنة الابتلاء إلى وعد التمكين:
التسلسل النبوي يُظهر أن التحرير قادم لا محالة، لكنه يمر بمحطات:
1- الفتن والاختبار (وهو واقعنا اليوم).
2- الفرز والتمحيص (وقد بدأ).
3- النصر بعد التمحيص (سنّة لا تتخلف).
وما يجري اليوم في فلسطين، من صمود شعبي، ومقاومة إيمانية، وفضح للعدو أمام العالم، هو جزء من إنضاج هذه السنن، لا خارجة عنها.
خاتمة: من الإسراء إلى التحرير… طريق ممهور بالوحي والعمل:
التحرير ليس خرافة مهدوية، ولا وهمًا إعلاميًا، بل سير في طريق بدأه النبي ﷺ، ورسّخه الصحابة، وحمله المجاهدون الصادقون، وينتظر أمة توقن بوعد ربها وتعمل له.
فكما بدأ الإسراء بوعد، سيختم بالتحرير، ولكن بأيدٍ مؤمنة، وأقدام ثابتة، وقلوب لا تتعلق إلا بالله.
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾.
