ما لا يسع السني جهله عن إيران ومشروعها الطائفي (1)
بقلم الدكتور معتز البلوشي
المقدمة: حتى لا يلدغ المؤمن من الجحر مرتين:
في زوايا الجراح الإسلامية، تتراكم الأسئلة الحارقة:
كيف تحول ملالي قم إلى قادة للمقاومة في عيون البعض؟
ولماذا تصور إيران، التي ذبحت أهل السنة من العراق إلى الشام، على أنها حامية الأقصى؟
وكيف استطاع المشروع الطائفي الصفوي أن يندس بيننا بشعارات «الوحدة» و«الممانعة» و«تحرير فلسطين”؟!
أيها القارئ الغيور ما بين شعار «الموت لأمريكا والموت لإسرائيل» الذي يصرخ به في طهران، وصفقات التنسيق التي تدار في الظلام بين الولي الفقيه و«الشيطان الأكبر»، تنكشف الحقيقة لمن أراد أن يبصر… ولكن المشكلة ليست في مكر العدو، وإنما في غفلة بعض الأحبة.
إن الأمة وقد أصابها ما أصابها من التمزق والتيه، لا تحتمل مزيدًا من المخدرات الشعاراتية، ولا يجوز لأهل السنة الذين هم جسد الأمة وروحها العقدية والتاريخية: أن يجهلوا حجم الخطر الداهم من المشروع الإيراني المتدثر بعباءة «التشيع»، والمخترق لجدران القدس عبر أنفاق الطائفية والمصالح.
نكتب اليوم لا لنزيد النار اشتعالًا، بل لنحذر من دخانها المتسلل إلى بيوتنا، وإعلامنا، ومساجدنا، وقلوب شبابنا.
نكتب لنعرف؛ فنحذر؛ فنواجه.
هذا المقال هو دعوة لليقظة، وبداية مسار معرفي لا غنى عنه لكل سني غيور، يرى في فلسطين عقيدة لا قضية، وفي التوحيد حياة لا هوية.
من كربلاء إلى قم وجذور المشروع الصفوي
1- مأساة كربلاء: من الدم إلى الراية:
بدأت الحكاية حين تحولت كربلاء، مأساة مظلومية الحسين بن علي رضي الله عنه، من حدث تاريخي إلى عقيدة سياسية – فمن دماء طاهرة سالت ظلمًا، بدأت تيارات الغلو تزرع بذور الحقد والانتقام على الأمة، وتنتج طوائف جعلت من أنفسها «أوصياء الله» على الدين والتاريخ.
انطلقت منذ ذلك الحين أخطر فكرة عرفها التاريخ الإسلامي: أن الدين لا يفهم إلا من خلال «الإمام المعصوم»، وأن الصحابة – إلا قلة قليلة – قد ارتدوا وخانوا الأمانة، وأن الأمة انحرفت منذ السقيفة ولا خلاص لها إلا بالرجوع إلى أهل البيت (بالتفسير الشيعي طبعًا).
هذه ليست خلافات فقهية، بل هي شق لعقيدة الإسلام من أساسها، وتحويله إلى مذهب طائفي ينتظر ظهور إمام غائب ليقيم به عدالة السماء.
2- الدولة الصفوية: حين امتزج التشيع بالدم والسيف:
في القرن العاشر الهجري (الخامس عشر الميلادي)، قفزت هذه الأفكار من الكتب السرية إلى الواقع السياسي.
جاء إسماعيل الصفوي، ليعلن الدولة الصفوية في إيران، ويجعل من «التشيع الاثني عشري» مذهبًا رسميًا في البلاد.
ماذا فعل أولًا؟
قتل مئات الآلاف من أهل السنة في إيران.
فرض سب الصحابة وأم المؤمنين عائشة على المنابر.
طرد علماء السنة، وأحرق كتبهم، ومسح أثرهم.
تحالف مع الصليبيين ضد الدولة العثمانية.
ومن هنا تشكل العمق الطائفي للهوية الإيرانية الحديثة: دولة على مذهب طائفي، تؤمن بأن لها حق قيادة الأمة «بعد تنجيسها وتطهيرها من نواصب السنة».
3- من دولة قومية إلى مشروع أممي: التشيع كمنظومة تمدد
مع ضعف الدولة الصفوية، بقي المذهب، وتحول إلى أيديولوجيا انتشار.
ولعبت الحوزات في قم والنجف ومشهد أدوارًا أساسية في نشر «التشيع المنحرف»، وتمويله، وتصديره.
وكان الفقهاء لا يخفون مشروعهم:
كل من لم يعترف بإمامة الاثني عشر فهو «ناصب» لا يؤمن جانبه.
ولا ولاية له على نفسه، ولا تؤخذ شهادته، ولا يجوز الترحم عليه.
بل حتى الجهاد ضد الكفار لا يجوز عندهم إلا بعد ظهور الإمام الغائب، لكن القتال ضد «النواصب» مشروع في كل زمان ومكان!
أصبحت المظلومية الشيعية مادة تغذية مستمرة لأحقاد تاريخية تصب في وجه أهل السنة.
وأصبح «حب آل البيت» شعارًا لاستباحة دماء من لا يسير على مذهبهم، ولو كان من آل البيت نفسه!
4- الخميني والثورة الإيرانية: التشيع يتجدد بثوب الولي الفقيه
وفي سنة 1979، حدث الزلزال؛ حيث خرج «الخميني» من منفاه في باريس، ليركب موجة الغضب الشعبي ضد الشاه، ويحولها إلى ثورة طائفية بثوب إسلامي عالمي.
أعلن مبدأ «ولاية الفقيه»، الذي لم يكن له أصل عند الشيعة الاثني عشرية سابقًا بهذا المفهوم السلطوي، ليجعل نفسه نائبًا عن المهدي المنتظر، ومن ثم مرشدًا للأمة كلها!
وهنا ولد المشروع الأخطر: دولة طائفية ترفع راية الإسلام، وتزعم نصرة المستضعفين، وتدعي تحرير القدس، لكنها تبني جيوشًا عقائدية تحت «فيلق القدس»، تقاتل بها أهل السنة في كل مكان.
فمن يومها صار الطريق إلى القدس – في نظرهم – يمر من:
كربلاء، ثم بغداد، ثم دمشق، ثم بيروت، ثم مكة، ثم المدينة، ثم يحتمل أن نمر عبر القدس!!
5- آيات من الخداع: «الموت لأمريكا» و«التنسيق في الخفاء»:
من المضحك المبكي أن شعارات الثورة الإيرانية كانت: «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل».
لكن الأحداث أثبتت أن إيران لم تقتل يهوديًا واحدًا منذ الثورة، بينما قتلت من أهل السنة أضعاف ما قتله الصهاينة.
وأما «أمريكا» فقد تحالفت مع إيران في: غزو أفغانستان سنة 2001، واحتلال العراق سنة 2003، وتسهيل النفوذ الإيراني في سوريا واليمن ولبنان.
والوثائق الغربية، وشهادات المسؤولين الأمريكيين، كلها تؤكد أن إيران شريك لا عدو… لكنها تسوق لنا العكس عبر قنواتها العربية!
6- كيف وصل المشروع إلى فلسطين؟
إيران دخلت على خط فلسطين منذ بداية الثمانينيات، ودعمت فصائل المقاومة، ليس حبًا في الأقصى، وإنما لبناء أوراق تفاوضية، وتغلغل إعلامي، وتأثير عاطفي في الشارع العربي.
وتمكنت للأسف من خداع كثير من الشعوب، خاصة في لحظات الانكسار العربي، لتظهر بأنها «المدافع الوحيد عن فلسطين».
لكن الحقيقة أن إيران: لم تقاتل إسرائيل يومًا.
ولم تدخل «فيلق القدس» إلى الجليل… بل إلى حلب والفلوجة وصنعاء!
ولا تنفق على القدس إلا بقدر ما يجعلها أكثر قربًا من السيطرة على قرار المقاومة.
ومضة الختام:
إن فهم الجذور التاريخية والعقدية للمشروع الإيراني، ليس ترفًا معرفيًا، بل ضرورة عقدية واستراتيجية؛ لأن العدو الذي لا يفهم لا يمكن أن يواجه.
وما لم يدرك السني أن «التشيع السياسي الصفوي» أخطر من كل مشاريع الاستعمار، فإننا سنخسر الأقصى مرتين:
مرة أمام اليهود الصهاينة.
ومرة أمام من يلبس عباءة المقاومة ويطعن في الخاصرة!
