هل يمكن الثقة بعدو الله؟

الرد الشرعي على دعاة التعايش مع العدو المحارب

أم عائشة المقدسية

يعد الخلط بين التعايش الإنساني المشروع والثقة السياسية بالعدو المحارب من أخطر صور التزييف الفكري في واقع الأمة اليوم، خصوصًا في سياق الصراع مع المشروع الصهيوني في فلسطين. فالدعوة إلى التعايش تطرح أحيانًا لا بوصفها تنظيمًا لعلاقة إنسانية عادلة، بل كمدخل لإسقاط مفاهيم شرعية ثابتة، وتحييد الوعي عن طبيعة العدو وسلوكه التاريخي.

من المنظور الشرعي، يفرق الإسلام تفريقًا دقيقًا بين العدل مع غير المسلم واتخاذ العدو المحارب وليا أو موضع ثقة.

قال تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم﴾، ثم قيد ذلك بقوله: ﴿إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم… أن تولوهم﴾ [الممتحنة: 8–9].

فالخطاب هنا ليس دينيًا عرقيًا، بل سلوكي سياسي: من يقاتل ويحتل ويغتصب الأرض ويهدم المقدسات، لا يجوز شرعًا تحويله إلى شريك موثوق أو جار متعايش.

والتاريخ يؤكد هذا المعنى بوضوح:

فمنذ نشوء المشروع الصهيوني، لم يمن السلام إلا أداة مرحلية لإدارة الصراع لا لإنهائه. كل الاتفاقيات -من وعد بلفور إلى أوسلو- أثبت الواقع أنها وسائل لكسب الوقت وتثبيت الاحتلال، لا خطوات نحو عدل حقيقي. الاستيطان لم يتوقف، والقدس لم تصن، والعهود نقضت تباعًا، مما يؤكد أن المشكلة ليست في «سوء فهم» أو «تعثر ثقة»، بل في طبيعة مشروع استيطاني إحلالي.

ومن الناحية العقدية، يحذر القرآن من السذاجة السياسية باسم حسن النية، فيقول: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ [الممتحنة: 1].

فالعداوة هنا محددة بالفعل والواقع، لا بالهوية المجردة. وهي عداوة قائمة ما دام الاحتلال قائمًا والعدوان مستمرًا.

إن دعاة التعايش الذين يتجاهلون هذه الحقائق التاريخية والضوابط الشرعية يقفزون فوق الواقع، ويطالبون الضحية بتعليق وعيها، لا العدو بتغيير سلوكه.

فالسلام في المنظور الإسلامي ثمرة عدل، لا نتيجة تنازل عن الحق، ولا يبنى على الثقة بمن أثبت الواقع أنه لا يحترم عهدًا ولا يقيم وزنًا لحقوق الآخرين.

إذن ليس السؤال: هل نحسن التعامل إنسانيًا؟ فهذا أصل ثابت.

بل السؤال: هل يجوز شرعًا وعقلًا الوثوق بعدو محارب ما زال يحتل الأرض وينقض العهود؟

والجواب الذي يقرره الشرع ويؤكده التاريخ والواقع: لا.

فمعرفة العدو ليست دعوة للكراهية، بل حماية للوعي، ومن ضيع وعيه باسم التعايش، ضيع دينه وأرضه معًا.

موضوعات ذات صلة