هل كانت فلسطين شيعية يومًا؟ تفنيد علمي للتزوير العقدي

الدكتور سعدون الخراساني

يروج في بعض الخطابات المعاصرة أن لفلسطين جذورًا شيعية، أو أن التشيع كان مكونًا أصيلًا في بنيتها التاريخية والدينية.

وهذه الدعوى لا تثبت أمام البحث العلمي الرصين، بل تتهاوى عند عرضها على ميزان التاريخ الموثق، والنصوص الشرعية، وواقع الأمة عبر القرون.

أولًا: فلسطين في ميزان الوحي:

إن أول ما يبطل هذه الدعوى أن فلسطين ارتبطت في الوحي بهوية إسلامية عامة، لا بطائفة مخصوصة، قال تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله﴾ [الإسراء: 1].

فهذه البركة ربانية، سابقة لكل النزاعات الطائفية المتأخرة، وهي مرتبطة بجماعة المسلمين عامة، لا بهوية مذهبية مخصوصة. كما ثبت في الصحيحين قوله ﷺ: “لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى”.

فجعل الأقصى مقصدًا للأمة كلها، لا لطائفة دون أخرى.

ثانيًا: شهادة التاريخ والعلماء:

عند مراجعة كتب التراجم والتاريخ، نجد أن فلسطين كانت عبر القرون موطنًا لعلماء أهل السنة، ومركزًا من مراكز العلم الشرعي المرتبط بالحديث والفقه.

فمن أعلامها:

– الإمام شمس الدين المقدسي (ت 390هـ)، من كبار علماء الجغرافيا والحديث.

– الحافظ ضياء الدين المقدسي (ت 643هـ)، أحد كبار المحدثين.

– الإمام ابن قدامة المقدسي (ت 620هـ)، صاحب المغني، أحد أعمدة الفقه الحنبلي.

وقد ذكر الحافظ الذهبي في سير أعلام النبلاء تراجم عدد كبير من علماء بيت المقدس، وكلهم على مذاهب أهل السنة، دون إشارة إلى وجود تيار شيعي غالب أو مؤثر في المجتمع.

بل إن الرحالة كـالمقدسي البشاري في أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم وصف بلاد الشام عمومًا – ومنها فلسطين – بأنها دار علم وفقه، يغلب عليها أهل السنة، وتنتشر فيها المساجد والمدارس المرتبطة بهم.

ثالثًا: التفريق بين الحكم والهوية:

قد يستدل ببعض الفترات التاريخية التي خضعت فيها أجزاء من الشام لنفوذ دول ذات صبغة شيعية، لكن هذا لا يعني تحول المجتمع عقديًا.

فالتاريخ يفرق بين:

– السلطة السياسية.

– والهوية الشعبية والعلمية.

وفي فلسطين، لم تنشأ حوزات علمية شيعية، ولا شبكة تعليم ديني شيعي، ولا تراث شعبي يعكس انتشار التشيع، بخلاف ما وقع في مناطق أخرى من العالم الإسلامي.

رابعًا: شواهد العمران والواقع:

تثبت سجلات الأوقاف، ونقوش المساجد، ووظائف القضاء والخطابة، أن الغالب في فلسطين كان مرتبطًا بالمذاهب السنية، سواء في العهد الأيوبي أو المملوكي أو العثماني.

كما أن الذاكرة الشعبية، والعادات، والأسماء، والموروث الديني، كلها تنتمي إلى السياق السني العام لبلاد الشام، دون وجود سمات تشيع جماعي مستقر.

خامسًا: لماذا تطرح هذه الدعوى اليوم؟

تطرح هذه الدعوى غالبًا في سياق:

– توسيع النفوذ السياسي المعاصر عبر ربط فلسطين بهوية مذهبية محددة.

– أو إعادة قراءة التاريخ بانتقائية تخدم خطابًا معينًا.

وهذا من أخطر أنواع التزوير؛ لأنه لا يغير الماضي فقط، بل يعيد تشكيل وعي الحاضر.

خاتمة:

إن القراءة المنصفة للتاريخ تؤكد بوضوح:

أن فلسطين لم تكن يومًا شيعية الهوية، بل كانت – ولا تزال – جزءًا من النسيج الإسلامي العام، الذي غلب عليه عبر القرون مذهب أهل السنة علمًا وتعليمًا وقضاءً وسلوكًا.

وإن محاولة إعادة صياغة هوية فلسطين خارج هذا السياق، ليست قراءة علمية، بل مشروع إعادة تشكيل للوعي.

ففلسطين لم تكن ساحة لتبديل العقائد، بل كانت حصنًا من حصون الإسلام، وميدانًا من ميادين أهل السنة عبر التاريخ.

وستبقى كذلك، مهما حاولت المشاريع المعاصرة أن تكتب تاريخًا جديدًا لا أصل له.

فالتاريخ لا يصنع بالشعارات، بل يثبت بالدلائل… ومن ملك الدليل، ملك الحقيقة.

موضوعات ذات صلة