صناعة جيل التحرير معركة الوعي قبل معركة السلاح
الصحفي الفلسطيني نزار حمدان العدم
في زمنٍ تهافتت فيه بعض الأنظمة على التطبيع، وارتبك فيه الوعي العام، تبقى فلسطين تختبر الأمة بسؤالٍ واحد: هل سنصنع جيلًا قادرًا على التحرير، أم سنكتفي بتمجيد الماضي وترديد الشعارات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم مستقبل القدس، وتحدد موقع الأمة بين الأمم.
فلسطين: قضية أمة لا قضية حدود:
لم تكن فلسطين يومًا قضية جغرافيا محدودة، بل كانت قضية أمة. من يقرأ القرآن والتاريخ يدرك أن الأرض المباركة ليست ملكًا لجيل أو حزب أو شعب وحده، بل هي وقف إسلامي عام، لا يباع ولا يساوم عليه. هذه الحقيقة هي التي شدد عليها العلماء الربانيون حيث أكدوا إن فلسطين أمانة الأمة كلها، ومن خانها فقد خان دينه.
جيل التحرير لا بد أن يربى على هذا المعنى: أن القدس ليست مجرد رمز وطني، بل جزء من العقيدة، وأن التفريط فيها خيانة للدين قبل أن تكون خيانة للأرض.
التربية حجر الأساس في صناعة الجيل:
التحرير لا يبدأ من ساحات القتال، بل من مقاعد الدراسة وأركان البيوت. التربية هي السلاح الأول: تربية تغرس في الطفل أن المسجد الأقصى هو قبلته الأولى، وأن الاحتلال مؤقت مهما طال.
لكن هذه التربية تهدد اليوم بمناهج مشوهة وإعلام يلمع التطبيع. لذلك لا بد من نهضة تعليمية تعيد فلسطين إلى قلب المقررات، وتفضح جرائم الاستعمار، وتزرع في الأجيال معاني العزة والكرامة
الإعلام الجديد جبهة الوعي المفتوحة:
في عصر الشبكات الاجتماعية، تحولت معركة فلسطين إلى حرب رواية. الاحتلال يسعى لاحتكار الخطاب، لكن جيل الشباب قادر على كسر الحصار.
جيل التحرير يحتاج إلى إعلام مقاوم يوظف الأدوات الحديثة لتوثيق الجرائم وفضح الدعاية الصهيونية. كل شاب يمكن أن يكون مراسلًا لقضيته، وصوتًا للقدس، وجزءًا من مقاومة الوعي العالمية.
القدوة: سر صناعة الرجال:
الشباب لا يتأثرون بالشعارات قدر تأثرهم بالقدوات، لذلك جيل التحرير بحاجة إلى أن يرى في معلمه قدوة، وفي خطيبه قدوة، وفي شهيده قدوة حينها تتجذر القناعة أن الطريق طويل لكنه ممكن.
أما إذا رأى عالمًا يبيع فتوى للتطبيع، أو قائدًا يتاجر بالقضية، فإن جدار الثقة ينهار. هنا تكمن أهمية استعادة نموذج العالم الرباني والمجاهد الصادق والإنسان الحر.
التحديات التطبيع واليأس والغزو الثقافي:
ثلاثة أخطار تهدد مشروع صناعة جيل التحرير:
1- التطبيع الرسمي الذي يسعى إلى غسل عقول الأجيال وإقناعهم بأن إسرائيل جار طبيعي.
2- الغزو الثقافي الغربي الذي يغرق الشباب في الفردانية واللهو، ليصرفهم عن قضايا أمتهم.
3- اليأس وفقدان الأمل، وهو أخطر ما يراد زرعه، حتى يستسلم الشباب لفكرة أن التحرير حلم مستحيل.
من الحلم إلى المشروع:
لكي يتحول الحلم إلى واقع، لا بد من مشروع عملي متكامل يتضمن:
– مناهج تعليمية تعيد الاعتبار لفلسطين.
– إعلام مقاوم يملك أدوات العصر.
– مؤسسات شبابية تخرج قادة ومبادرين.
– برامج تربوية تعيد الصلة بالقرآن والجهاد والقدس.
هذا المشروع ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة مصيرية تحدد إن كنا سنبقى أمة على الهامش، أم سنعود إلى موقع الريادة.
إن صناعة جيل التحرير مسؤولية مشتركة: الآباء في البيوت، المربون في المدارس، العلماء في المنابر، والسياسيون في مواقع القرار. فلسطين لا تنتظر خطابات جديدة، بل تنتظر جيلاً جديداً. جيلاً يعرف عدوه، يتمسك بعقيدته، ويصنع مستقبله بعلمه ووعيه ودمه.
حين ننجح في صناعة هذا الجيل، سيكون التحرير نتيجة طبيعية لا مفاجأة. وسيكتشف العالم أن وعد الله حق، وأن وعد الأمة صادق، وأن القدس لا تضيع ما دام في الأمة جيل يردد بلسان الحال والمقال: موعدنا التحرير إن شاء الله.
