بناء الشخصية الفلسطينية في ضوء السيرة النبوية
الشيخ مسعود أبو كف
في زمن اشتد فيه الظلم وتكاثرت فيه المؤامرات، لا ينهض بالحق إلا جيلٌ مؤمن، يحمل الرسالة، ويملك البصيرة، ويعرف أن تحرير فلسطين لا يكون ببندقية تائهة، ولا بحماسة عمياء، بل بـ شخصية مسلمة ربانية، تُبنى على هدي السيرة النبوية الصحيحة.
إن النصر لا يُنال بكثرة العُدد، بل بصدق العقيدة، واستقامة الطريق، وهذا ما تُعلّمه لنا سيرة النبي ﷺ في كل مراحلها: من مكة إلى المدينة، من بدر إلى الفتح، من السجود إلى الصعود.
أولًا: التوحيد قاعدة البناء:
أول ما بُني عليه جيل الصحابة هو التوحيد الخالص: لا طاعة إلا لله، ولا ولاء إلا للإيمان، ولا عدو إلا من عادى الله ورسوله.
فمن أراد تحرير فلسطين، عليه أولًا أن يتحرر من العبودية للطاغوت، والحزبية، والأهواء.
وهذا ما نراه اليوم في شباب صادقين، نبذوا الشعارات الفارغة، ورفعوا راية «لا إله إلا الله» فوق كل راية.
ثانيًا: الوعي والبصيرة لا الانفعال:
النبي ﷺ لم يبعث جيلًا غاضبًا فقط، بل جِيلًا بصيرًا، يعلم متى يصبر، ومتى يُجاهد، ومتى يعاهد، ومتى يُفارق.
علمهم ﷺ أن الجهاد لا يعني العنف، ولا أن الغاية لا تبرر الوسيلة، بل أن الجهاد عبادة، لها شروطها ومقاصدها.
وجيل التحرير في فلسطين اليوم، إذا استلهم هذا المنهج، فلن يقع في فخ التهور، ولا يُستَدرج إلى مشاريع لا تخدم إلا العدو.
ثالثًا: الصبر والثبات على الطريق:
السيرة علمتنا أن النصر لا يأتي سريعًا، بل يحتاج صبرًا كالجبال، وثقةً بوعد الله، وتحمُّلًا للأذى من القريب والبعيد.
الصحابة في مكة عُذّبوا، وقُوطعوا، وهُجّروا، لكنهم صبروا، فلما جاء الفتح، جاءوا إليه مستحقين.
وجيلنا الفلسطيني اليوم، إذا تخلق بالصبر النبوي، وتجاوز الإحباط والتيه، فهو أقرب إلى النصر مما يتصور.
رابعًا: بناء الإنسان قبل السلاح:
النبي ﷺ قضى ثلاث عشرة سنة في مكة يبني الإنسان، ولم يُؤذن له بالجهاد إلا حين اكتمل البناء العقدي والأخلاقي.
ولهذا، فإن مشروع التحرير لا يبدأ من فوهة البندقية، بل من المسجد، والمدرسة، والأسرة، والقدوة.
جيل اليوم يجب أن يُربّى على القرآن كما رُبّي أصحاب بدر، وأن يتعلم من سيرة النبي ﷺ لا من شاشات الفصائل.
خامسًا: فلسطين ليست حدودًا، بل أمانة أمة:
النبي ﷺ ربّى أصحابه على أن الإسلام رسالة للعالمين، وأن القضايا الكبرى لا تُختزل في قوم أو فصيل.
وهكذا يجب أن يرى الشباب أن فلسطين ليست قضية الفلسطيني وحده، بل قضية كل مؤمن صادق، وأنه لا يجوز المتاجرة بها باسم مذهب أو جنسية أو سياسة.
خاتمة:
إذا أردنا تحرير الأرض، فلنبدأ بتربية الجيل على نهج النبي ﷺ.
جيلٌ يُصلي الفجر، ويعرف معنى الولاء والبراء، ويتقي الله في السرّ والعلن، ويرى في النبي ﷺ القائد والمعلم والقدوة.
هذا هو جيل التحرير… جيل القرآن والسنة… جيل لا يُهزم لأنه لا ينحرف.
