المشروع الإسلامي لتحرير فلسطين: معالم إعداد الجيل القيادي

الدكتور رفعت الطائي

في قلب الصراع على فلسطين، تتكشف حقيقة كبرى: أن معركة التحرير ليست معركة أرض فقط، بل معركة بناء إنسان. فالأرض التي حررت يومًا على يد جيل رباني، لا يمكن أن تستعاد إلا بجيل يشبهه في الإيمان والوعي والثبات.

ومن هنا، فإن المشروع الإسلامي لتحرير فلسطين ينطلق من قاعدة قرآنية راسخة: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾، فالتغيير يبدأ من الداخل… من صناعة القائد قبل خوض المعركة.

أولًا: التأسيس العقدي… منبع القيادة:

القائد في المنظور الإسلامي ليس مجرد صاحب قرار، بل صاحب يقين.

وقد بدأ النبي ﷺ بتربية جيل الصحابة على التوحيد، حتى صار الواحد منهم أثبت من الجبال.

فمن تربى على قوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي… لله رب العالمين﴾، لا يمكن أن يبيع قضيته، ولا أن يخضع لعدو، ولا أن يتنازل تحت ضغط.

إن تحرير فلسطين يبدأ من تحرير القلب من كل ولاء إلا لله.

ثانيًا: صناعة الوعي… قيادة بالبصيرة:

لم يكن جيل الصحابة جيل حماسة فقط، بل جيل بصيرة عميقة.

وفي صلح الحديبية، قبل النبي ﷺ بشروط ظاهرها مجحف، لكنه كان يرى ما وراء اللحظة، حتى سماه الله: ﴿فتحًا مبينًا﴾.

وهذا هو الدرس الجوهري: أن القائد لا يدار بالعاطفة، بل يفقه الواقع، ويحسن التقدير، ويزن المصالح والمفاسد.

وفي فلسطين، حيث تتداخل المشاريع وتتشابك الولاءات، يصبح الوعي سلاحًا لا يقل عن أي سلاح.

ثالثًا: التزكية الأخلاقية… حصن القيادة:

القائد الذي لا يملك أخلاقًا، يسهل إسقاطه.

ولهذا كان النبي ﷺ يربي أصحابه على الصدق والأمانة، حتى قبل أن يؤمروا بالقتال.

وفي زمن الاحتلال، حيث تنتشر محاولات الابتزاز والإفساد، يكون البناء الأخلاقي حصنًا:

– يمنع السقوط في العمالة،

– ويحافظ على نقاء الطريق،

– ويجعل القائد قدوة لا مجرد متحدث.

رابعًا: الصبر والثبات… فقه الطريق:

لم تفتح مكة في عام، بل بعد سنوات من الصبر والابتلاء.

هذا الفقه هو ما يحتاجه جيل القيادة اليوم: أن يفهم أن التحرير مسار طويل، وأن النصر يصنع بالتراكم لا بالاندفاع.

قال تعالى: ﴿واصبروا إن الله مع الصابرين﴾، فالثبات ليس خيارًا، بل شرط للنصر.

خامسًا: البناء المؤسسي… صناعة البيئة القيادية:

النبي ﷺ لم يصنع أفرادًا متفرقين، بل بنى جماعة واعية: في المسجد، وفي الصف، وفي ميدان العمل.

ومن هنا، فإن إعداد الجيل القيادي في فلسطين لا يتم بشكل عشوائي، بل عبر:

– مساجد تربي على العقيدة،

– مؤسسات تنمي الوعي،

– إعلام صادق يحصن العقول،

– وأسر تغرس المعاني منذ الصغر.

إن المشروع الإسلامي لتحرير فلسطين لا يبدأ من حدود الأرض، بل من حدود النفس.

فإذا صنع القائد الرباني، استقام الطريق، وإذا استقام الجيل، اقترب التحرير.

فالمعركة لم تبدأ في الميدان… بل بدأت يوم غاب القائد، وستحسم يوم يصنع من جديد.

موضوعات ذات صلة