العلامة أحمد شاكر وجهوده في نصرة قضية فلسطين جهاد القلم في نصرة القضية
الأستاذ حماد الشراري
من بين الأسماء التي ارتبطت بوعي الأمة في النصف الأول من القرن العشرين، يبرز العلامة أحمد محمد شاكر (1892–1958م)، المحدث المحقق ورائد مدرسة الدفاع عن الإسلام بالنصوص المحكمة والبيان القاطع. لم يكن شاكر مجرد رجل علم يلوذ بمكتبته، ولا مجرد محقق يتفيأ ظلال المخطوطات، بل كان رجل موقف، يرى أن العلم أمانة لا تصان إلا حين تتحول إلى موقف في وجه الباطل، وصوت في معركة الوعي.
وفي قلب القضايا التي هزت وجدانه، برزت القضية الفلسطينية، التي تعامل معها لا بوصفها قضية أرض فقط، بل كجرح في جسد الأمة الإسلامية كلها، ورمز للصراع بين الحق والباطل، وبين الإسلام والاستعمار. فكتب شاكر وأعلن وحذر وندد، حتى صار صوته جزءًا من سجل المقاومة الفكرية والسياسية
في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، كانت فلسطين تغلي تحت وطأة الانتداب البريطاني، وتتكثف مؤامرات الصهيونية العالمية. آنذاك نشأت منابر فكرية وصحفية حملت هم فلسطين، من أبرزها منصة فلسطين ثم مجلة فلسطين، اللتان مثلتا فضاءً رحباً لتداول الأخبار والنداءات والفتاوى والمقالات.
شارك أحمد شاكر في هذين المنبرين، ليس باعتباره وصفته عالمًا وقاضيًا شرعيًا، له وزنه في الفقه والحديث، ولها وزنه في الوعي العام. من هنا اكتسبت مقالاته ومواقفه قيمة مضاعفة، لأنها لم تكن مجرد تحليل سياسي، بل بيان شرعي يحدد موقف الأمة من القضية، ويفضح الأبعاد الاستعمارية والصهيونية، ويحدد واجب المسلمين في المواجهة.
صوت عالم في زمن المؤامرة:
من أبرز ما قاله أحمد شاكر في مقالاته وكتاباته حول فلسطين:
1- إدانته الشديدة للانتداب البريطاني، واعتباره شريكاً مباشرًا في تسليم فلسطين إلى الصهاينة. لم يكن شاكر يتورع عن تسمية الأمور بأسمائها، فكان يصف بريطانيا بأنها «عدو الإسلام الأول» و«الراعي الرسمي للصهيونية».
2- تحذيره من المؤامرة الصهيونية العالمية، وأنها ليست قضية مستوطنين مهاجرين فقط، بل شبكة دولية تعمل بغطاء سياسي ومالي وعسكري. وقد شدد على أن الصهيونية لا تسعى إلى فلسطين وحدها، بل تريد «طرد المسلمين من أرضهم، ومحو وجودهم من تاريخهم».
3- تأكيده على أن قضية فلسطين قضية دينية قبل أن تكون سياسية، فقد كتب مراراً أن «فلسطين وقف إسلامي، لا يملك جيل أن يتنازل عنه، ولا حاكم أن يساوم عليه»، وهي عبارة صارت أشبه بشعار للأجيال اللاحقة.
4- دعواته الصريحة للجهاد، فقد كان يقول: «الجهاد في فلسطين اليوم فرض عين على كل مسلم قادر، لا يعذره الله إن قعد عنه». كان يرى أن الخطب والبيانات لا تكفي، وأن الأمة مطالبة بالفعل المقاوم.
5- تحذيره من خيانة النخب العلمانية التي حاولت تصوير القضية الفلسطينية باعتبارها مسألة وطنية أو عرقية، بينما أصر هو على أنها قضية إسلامية جامعة، وأن أي تفريط فيها خيانة للدين قبل أن يكون خيانة للوطن.
تحليل منهجي لمواقفه:
عند تحليل خطابه، يمكن القول إن مواقف أحمد شاكر تنبني على ثلاث مرتكزات:
1- المرتكز العقدي: إذ ربط قضية فلسطين بالثوابت الشرعية، معتبرًا أن التفريط فيها خروج عن أحكام الإسلام. هذا أعطى القضية بعداً دينياً يجعلها ملزمة للمسلمين جميعاً، لا مجرد قضية سياسية إقليمية.
2- المرتكز السياسي الواقعي: لم يكن شاكر مثالياً أو غافلًا عن الواقع الدولي، بل كان يقرأ الخرائط السياسية، ويعلم أن بريطانيا هي اللاعب الأكبر. من هنا صب جام غضبه على الانتداب البريطاني، وفضح تحالفه مع الصهاينة.
3- المرتكز التعبوي: إذ لم يكتف بالتشخيص، بل دعا الأمة إلى الجهاد، ورأى أن الكلمة وحدها لا تكفي. وهنا تتجلى شخصيته كعالم ومجاهد لا يرضى بالحياد أو التبرير.
أثر مواقفه في الوعي العام:
كان لمقالات أحمد شاكر أثر كبير في تشكيل الوعي الشعبي في مصر وخارجها. فقد وجد فيه الشباب صوتًا صادقاً، لا يخاف من نقد الاحتلال ولا من فضح الحكومات. كما ساعدت كتاباته على ترسيخ مفهوم أن فلسطين ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية الأمة كلها.
وقد نقلت عنه كثير من الصحف والجرائد العربية، حتى صار صوته جزءًا من خطاب المقاومة الفكرية في تلك المرحلة. وكان لخطابه الشرعي دور في مواجهة محاولات «علمنة القضية» التي سعت لإفراغها من بعدها الإسلامي.
قيمة جهوده في سياق اليوم:
عندما نقرأ مواقف أحمد شاكر اليوم، ندرك أنه سبق عصره. فقد رسم خريطة الصراع بوضوح: استعمار بريطاني – صهيونية عالمية – ضعف بعض الحكومات – ضرورة الجهاد الشعبي. وهذه الخريطة ما زالت صالحة لفهم القضية في حاضرنا.
كما أن عبارته بأن فلسطين «وقف إسلامي لا يباع ولا يورث» صارت أساسًا لكل المواقف الرافضة للتسوية والتطبيع. وقد قدم درسًا عمليًا في أن العالم المسلم الحق ليس من يغرق في التحقيقات العلمية فقط، بل من يجعل علمه خادمًا للحق وقضية الأمة.
إن جهود أحمد شاكر في نصرة فلسطين تضعنا أمام صورة عالم رباني، جمع بين صرامة الدليل الشرعي وجرأة الموقف السياسي، وبين أمانة العلم وواجب الجهاد بالبيان. وفي زمن تكاثرت فيه الأصوات المفرطة أو المساومة، يبقى صوته شهادة على أن الكلمة الصادقة يمكن أن تكون رصاصة في وجه المحتل.
