السلام هل هو الحل الوحيد… أم الغطاء الناعم لتثبيت الاحتلال؟
الصحفي رشاد آل شاور
يتردد كثيرًا شعار: «السلام هو الحل الوحيد»، حتى صار أقرب إلى المسلمات التي لا تُناقش، ويُتّهم من يعارضها بالتطرف أو الرجعية أو تعطيل الحلول.
لكن الواقع يُثبت أن هذا الشعار – رغم مظهره الإنساني – قد استُخدم لتبرير التنازلات، وتكريس الواقع الاحتلالي، وتحييد الوعي الشعبي عن جوهر الصراع. فهل السلام – بصيغته المطروحة – كان فعلًا حلاً؟ أم كان أداةً لإعادة تشكيل الخريطة على نحو يُضعف الحق الفلسطيني باسم «الواقعية السياسية»؟
أولًا: هل يطلب الاحتلال السلام حقًا؟
في أصل الفكرة، السلام لا يُطلب من طرف يملك الأرض، بل من الطرف المعتدي. والاحتلال اليهودي الصهيوني هو من بدأ التهجير، والقتل، والاستيطان، وفرض سيادته بالقوة.
ومع ذلك، فقد نجح إعلامه في قلب المعادلة، حتى بات يُصوَّر كضحية تسعى للسلام، بينما يُتَّهم الشعب الفلسطيني – صاحب الأرض – بالتعنت والإرهاب.
لكن بالعودة إلى الواقع: هل قاد «السلام» إلى إنهاء الاحتلال؟
هل أوقف تهويد القدس؟
هل أزال الجدار؟
هل أعاد اللاجئين؟
هل أوقف الاستيطان؟
الإجابة: لا. بل العكس تمامًا.
ثانيًا: اتفاقيات السلام… تكريس لا تحرير:
منذ اتفاق أوسلو (1993) وما تبعه من موجات تطبيع، لم تُحرّر الأراضي، بل تقلّصت المساحات، وتآكلت السيادة الفلسطينية.
اتفاق أوسلو لم يمنح الفلسطينيين دولة، بل سلطة إدارية محدودة تحت السيطرة الأمنية الإسرائيلية.
اتفاقات التطبيع (2020-2022) لم توقف العدوان، بل تزامنت مع تصعيد خطير في المسجد الأقصى، وتوسيع رقعة المستوطنات، وازدراء القوانين الدولية.
إذن، شعار «السلام هو الحل الوحيد» لم يكن وسيلة لإنهاء الاحتلال، بل طريقة ناعمة لإدارته وتجميده وتطبيعه، وتحويله إلى أمر واقع لا رجعة فيه.
ثالثًا: السلام بلا عدالة = غطاء للاستسلام:
السلام الحقيقي يقوم على رد الحقوق، وإنهاء الاحتلال، ورفع الظلم، وتعويض المتضررين، وعودة اللاجئين، ووقف التهويد.
أما السلام الذي يُفرَض بشروط المحتل، ويطلب من الضحية أن «يتأقلم» مع الظلم، فهو استسلام لا تسوية، وتصفية لا مصالحة.
والتجربة التاريخية تؤكد:
– أن ما أُخذ بالقوة لا يُرد إلا بالقوة أو بميزان عادل.
– وأن المحتل الذي يفاوض تحت مظلة القوة لا يقدّم شيئًا، بل يطلب المزيد.
رابعًا: سلام تحت سلاح المحتل… هو سلام القبور:
الاحتلال اليوم يتحدث عن السلام، وفي الوقت ذاته:
– يهدم منازل الفلسطينيين يوميًا،
– يعتقل الأطفال،
– يمنع الأذان،
– يقتحم الأقصى،
– يحاصر غزة،
– يقتل الأبرياء بدم بارد.
فأي سلام هذا؟ وأي عدالة يُنتظر أن تنتج عن طاولة حوار تنعقد تحت فوهة البنادق؟
الخلاصة:
شعار «السلام هو الحل الوحيد» قد يُخدَع به العامة، لكنه عند التحليل هو شعار وظيفي استخدمه الاحتلال لتأجيل الصراع، وشرعنة الاستيطان، وتفتيت الصف الفلسطيني، وتمييع دعم الأمة.
نعم، نحن أمة سلام…
لكننا لا نقبل سلامًا يقتضي نسيان التاريخ، ودفن الحقوق، وتمرير الظلم، وتسليم القدس.
السلام الحق لا يكون مع مغتصب، بل بعد زوال الغصب.
وما سوى ذلك… فهو سلامٌ خادع… يهيئ الأرض لجولة جديدة من الاستعباد.
