الرد على دعاوى التقاعس: السلفية وفلسطين بين الإنصاف والتجني
الأستاذ: زين العابدين الحامدي
في زمن ارتفعت فيه الأصوات، وكثرت فيه الشعارات، وغلب فيه ضجيج المنابر على صوت العلم، وجهت إلى الدعوة السلفية تهمة متكررة: التقاعس عن نصرة القضية الفلسطينية. وهي تهمة لا تثبت عند التحقيق، ولا تصمد أمام ميزان الشرع، بل هي في كثير من الأحيان نتاج قراءة مبتورة، أو خصومة منهجية، أو انخداع ببريق الشعارات.
إن السلفية ليست حزبًا سياسيًا يقاس حضوره بحدة الخطاب، ولا حركة احتجاجية توزن بعلو الهتاف، بل هي منهج رباني يقيم المواقف على الوحي، ويزن القضايا بميزان الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. ومن هنا، فإن نصرتها لفلسطين لم تكن يومًا صاخبةً بالشعارات، لكنها كانت راسخة في التأصيل، ممتدة في العمل، صادقة في المقصد.
أولًا: تقرير الحق الشرعي في فلسطين:
أجمع علماء السلفية على أن فلسطين أرض إسلامية مغتصبة، لا يجوز التنازل عنها، ولا الاعتراف بشرعية الاحتلال اليهودي لها، وأن المسجد الأقصى من أعظم مقدسات المسلمين.
وقد قال الله تعالى: ﴿وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر﴾ [الأنفال: 72].
وقال سبحانه: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾ [محمد: 7].
وهذا هو الأصل الذي انطلقت منه فتاوى العلماء؛ فقد قررت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: أنه لا يجوز لمسلم أن يعترف لليهود بشيء من أرض فلسطين، ولا أن يتنازل لهم عنها، بل الواجب السعي في استردادها حسب الاستطاعة.
فهل بعد هذا البيان يقال إنهم متقاعسون؟ أم أن التقصير في قراءة مواقفهم أو تجاهلها؟
ثانيًا: نصرة منضبطة لا فوضى مدمرة:
من أبرز ما يؤخذ على السلفية – ظلمًا – أنها لا تندفع خلف كل راية، ولا تبارك كل قتال، ولا تجيز كل وسيلة، وهذا في الحقيقة من أعظم دلائل رسوخها.
فالسلفيون يقررون أن الجهاد عبادة، لا فوضى، وأنه لا بد له من راية شرعية، وقيادة معتبرة، ومنهج صحيح، وإلا تحول إلى فتنة تستنزف فيها الأمة.
فقد قرر اهل العلم ان كل قتال لم يكن لإعلاء كلمة الله فهو في سبيل الطاغوت.
وكم رأينا – في الواقع المعاصر – من مشاريع رفعت شعار فلسطين، ثم انتهت إلى تمزيق الصف، أو توسيع نفوذ البدع، أو تمكين العدو من حيث لا يشعر أصحابها.
وهنا تكمن المفارقة الصادمة:
ليس كل ضجيج نصرة، بل قد يكون بعضه سببًا في إطالة أمد القضية وتعقيدها.
ثالثًا: جهود عملية صامتة لكنها راسخة:
ليست نصرة السلفيين لفلسطين محصورة في الخطب، بل هي ممتدة في مسارات عميقة، منها:
– التعليم والدعوة: ترسيخ التوحيد، وهو أساس كل نصر.
– البيان الشرعي: تحريم التطبيع، وفضح الاحتلال، والتحذير من الانحرافات.
– الدعم المشروع: الدعوة إلى نصرة المسلمين بالمال والدعاء.
– تربية الأجيال: بناء وعي لا يخدع بالشعارات، ولا يستدرج بالتحزبات.
وهذا امتثال عملي لسنن الله في التمكين، إذ لا نصر بلا إعداد، ولا إعداد بلا عقيدة.
رابعًا: بين النصرة الصادقة والمتاجرة بالقضية:
الفرق الجوهري أن السلفية تريد تحرير فلسطين تحريرًا شرعيًا يحفظ الدين، بينما بعض التيارات تريدها ورقة سياسية أو مشروع نفوذ.
فكم من شعار رفع باسم فلسطين، ثم استخدم:
– لتبرير التحالف مع الرافضة
– أو لتلميع جماعات حزبية
– أو لتمرير مشاريع تخالف التوحيد والسنة
بينما السلفية رفضت أن تسلم القضية لمن يفسدها باسم نصرتها، فحمتها من الانحراف، وربطتها بأصلها: العقيدة قبل الراية، والمنهج قبل الحماسة.
إن الدعوة السلفية لم تتقاعس عن نصرة فلسطين، بل نصرتها بطريق قد لا يرضي الجماهير، لكنه يرضي الله، ولا يضيع القضية مرةً أخرى.
فليس كل من رفع شعار فلسطين ناصرًا لها،
وليس كل من خفت صوته متخليًا عنها،
بل إن أعظم النصرة… أن تنصر القضية بمنهج يحفظها، لا بمنهج يعيد ضياعها.
